منذ مجيء حكومة «شينزو آبيه» الائتلافية اليابانية التي تعتبر نفسها حليفاً استراتيجياً لإدارة الرئيس»بوش» الأميركية قبل أقل من عام، وهي تخرج من أزمة لتدخل في أزمة، وتصنع الأزمات وتواجه الأزمات بسياساتها الداخلية والخارجية التي تواجه بالمعارضة الشعبية حتى تدنت شعبية «آبيه» إلى مستوى يهدد بخسارة حزبه في انتخابات برلمانية نهاية هذا الشهر.

فخلال الشهور القليلة من عمر هذه الحكومة انتحر وزير واستقال وزيران، أما انتحار الوزير فقد حدث في مايو الماضي على إثر اتهامات بالفساد المالي، أما استقالة الوزير الثاني فقد جاءت بسبب تورطه بتصريحات كشفت التبعية السياسية للحكومة «الملكية أكثر من الملك» إثر تبريره القصف النووي الأميركي لمدينتي هيروشيما وناجازاكي، فأثارت الاحتجاج الشعبي على نطاق واسع مما وضع حكومته في وجه عاصفة قد لا تنجو منها في انتخابات حاسمة لمستقبل «آبيه» وحكومته المثقلة بالأزمات.

ولم تشفع الاعتذارات المتكررة لوزير الدفاع بالاستمرار في وزارته المستحدثة، بعد فشل محاولاته لامتصاص الغضب والاستنكار الشعبي الواسع إثر تبريره عمليات القصف الأميركي بالقنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي، فاضطر إلى تقديم استقالته لزيادة فرص تعويم الحكومة قبيل ثلاثة أسابيع من الانتخابات بعد أن وجه بتصريحاته ضربة جديدة لحكومة آبيه.

وكان «كيوما» أول وزير لوزارة «الدفاع» التي استحدثت قبل شهور منذ الحرب العالمية الثانية بعد أن كانت مجرد وكالة في ظل عشرات الآلاف من الجنود الأميركان الذين ينتشرون في القواعد اليابانية «للدفاع عن اليابان» قد أثار الغضب والاستنكار، إثر تصريح قال فيه «إن القنابل الذرية التي أطلقتها الولايات المتحدة في أغسطس 1945على هيروشيما ونجازاكي وأودت بحياة أكثر من 210 آلاف شخص كانت أمرا لا يمكن تفاديه لمنع اجتياح لليابان وإنهاء الحرب».

وبدا هذا التصريح الصادم لجمعيات أسر الضحايا وللشعب اليابانى كتبرير من حكومة «آبيه» لأبشع جريمة حرب نووية في التاريخ، وبدا كأنه وزير ياباني للدفاع عن أميركا وليس عن اليابان، خصوصا وأن انشاء هذه الوزارة جاء أيضا بعد مشاركة قوات يابانية للقوات الأميركية في غزو العراق في سابقة هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. كما بدا الوزير المستقيل نائبا عن «تكساس» وليس عن «ناجازاكي» المنكوبة التي يمثلها «كيوما» كنائب برلماني!!

ويبدو أن الوزير «كيوما» المسكين تورط في الإدلاء بهذا الكلام الغريب بناء على نصيحة من» آبيه»، لاسترضاء واشنطن التي سبق أن أغضبها الوزير نفسه بتصريحات مثيرة للجدل وللغضب الأميركي، حين انتقد «كيوما» الاجتياح الأميركي للعراق في وقت كان البلدان يتفاوضان فيه على إعادة نشر القوات الأميركية في اليابان في ظل تصاعد الغضب الشعبي ضد القواعد الأميركية.

وعلق أستاذ أميركي في العلوم السياسية هو جيري كيت قائلا «الضرر كبير ومن الأفضل لآبيه أن يستقيل مثل كيوما، حيث لا أستطيع التكهن بفرص نجاته في الانتخابات». وأذكر أن «شينزو آبيه» كان أدلى بتصريح أغرب عند زيارته لواشنطن لتأكيد تحالفه مع الاحتلال الأميركي للعراق فور توليه رئاسة هذه الحكومة قائلا ل»بوش» إنه «يصلي من أجل الضحايا من الجنود الأميركان في الحرب النبيلة التي تخوضها الولايات المتحدة من أجل تحرير وإعمار العراق»!

وبينما كان في أبوظبي بعدها بيومين قادما من واشنطن ومتوجها إلى القاهرة سألت الناطق باسم الحكومة اليابانية قائلاً: «جئتم تطلبون صداقة الشعب العربي بينما تتجاهل الحكومة الحالية التوازن مع قضاياه وتستفز مشاعره.. فمنذ متى كان الاحتلال تحريرا والتدمير تعمير؟!..

لماذا هذا التماهي الغريب مع السياسة الأميركية ولماذا يصلي «آبيه» من أجل الجنود الغزاة في واشنطن وينسى أن يصلي لمليون من ضحايا الشعب العراقي البريء بما يعادل أربعة أمثال القصف النووي الأميركي للشعب الياباني الذي نتعاطف معكم فيه»؟! وقد حاول الرجل بتهذيب عال التخفيف من هذا التصريح الاستفزازي للشعب العربي ومن ذلك الانطباع السيئ على إثر تصريحات آبيه.. ولكن دون جدوى.

mamdoh77t@hotmail.com