ماذا تعني دعوة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى اجتماع دولي حول فلسطين في الخريف القادم؟ والبعض يقول إن خطاب الإعلان هذا تأخر شهرا لأن الرئيس كان ينوي إلقاءه في الذكرى الخامسة لإعلانه تأييد وتبني «حل الدولتين» الإسرائيلية والفلسطينية.

وباعتباره أول رئيس أميركي يتبنى ذلك ولو أنه وضع ذلك التبني لاحقا على الرف، ولكن أحداث غزة الشهر الماضي فرضت تأخير هذا الإعلان. فهل نحن عشية «إنزال» الموضوع عن الرف ووضعه على طاولة السياسة الشرق أوسطية في السنة الأخيرة للرئيس الأميركي؟

جملة من الملاحظات تستدعي التوقف عندها بشأن الخطاب الإعلان:

ـ هنالك جملة من العناصر الإيجابية التي جاءت في الخطاب، من مساعدات مالية وغيرها وضرورة وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال والتوصل إلى اتفاقات حول قضايا الوضع النهائي. إنها دعوات وتأكيدات أكثرها متكرر، ولكن لا يحمل الخطاب أي التزام أو يشير إلى أي آلية جدية وذات مصداقية وضمن أي أفق زمني يمكن ترجمة هذه النقاط الوعود إلى سياسة وحقائق على الأرض. إنها إعادة تأكيد على ما صار بمثابة شروط بديهية لإعادة إطلاق المفاوضات بشكل جدي والتوصل إلى نتائج لها.

ـ اعتراف ولو متأخر بمحورية القضية الفلسطينية إلى جانب محورية المسألة العراقية في الشرق الأوسط، بعد سنوات من التهميش أو التنكر لهذا الواقع على الصعيد السياسي العملي.

ـ الحديث عن اجتماع، وليس عن مؤتمر، يخفض من سقف الطموحات والتوقعات. فالاجتماع إطار للحوار واستكشاف المواقف والتسخين وربما التوصل إلى تفاهمات وتوافقات قد تحضر لسياق تفاوضي لاحقا وهو ليس لاتخاذ قرارات أو لإطلاق قطار التسوية، خاصة أن إسرائيل ومعها واشنطن تعارضان وبشكل مبدئي فكرة المؤتمر الدولي الذي يعني دورا أساسيا وإشرافيا للأمم المتحدة،

وتعارضان أيضا حتى فكرة مؤتمر دولي قد يعني إشرافاً ومواكبة للمفاوضات من قبل طرف ثالث كان يفترض أن يكون الرباعية، وهو أمر مرفوض أيضا باعتبار أن المقاربة الوحيدة المقبولة إسرائيليا وكذلك أميركيا مع الإدارة الحالية، تقوم على إطار تفاوضي «ثنائي» فلسطيني إسرائيلي متروك لذاته، دون أي مواكبة ومراقبة من طرف ثالث أو ما يعرف بالوسيط النزيه.

ـ هنالك شبه تجاهل لدور اللجنة الرباعية المتجاهلة هي لدورها ولمسؤولياتها أساسا والتي أعلن يفغيني بريماكوف، رئيس الحكومة الروسية الأسبق، مؤخرا أنها صارت ذات دور شكلي وأنها تحتضر، ورغم تعيين شخصية بوزن توني بلير الذي أثار الكثير من الاعتراضات المعروفة والمفهومة ضده، مبعوثا خاصا للجنة لعملية السلام مع تحديد أن أولى مهامه وأهمها مساعدة إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية،

فالتركيز هو على الطرف الفلسطيني، كشرط وكمدخل لإطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وليس على القيام بدور الوسيط الناشط والمواكب والحازم للمفاوضات التي يبدو أنها لن تأتي خاصة إذا تذكرنا أنه في اليوم ذاته الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي خطابه، كان هنالك لقاء قمة فلسطيني إسرائيلي رفض خلاله أولمرت تناول قضايا التسوية النهائية مركزا فقط على مسائل بناء الثقة وحسن النوايا. وهذا بحد ذاته مؤشر آخر لا يخطئ.

ـ توقيت عقد الاجتماع الذي لم يحدد تاريخه بعد ولا المشاركون فيه ولا مكان انعقاده، واختيار المكان دون شك مليء بالرسائل وحامل لالتزامات، توقيت الانعقاد في الخريف يأتي في وقت ستكون فيه الإدارة الأميركية بأمس الحاجة لتحقيق عدد من المكاسب وهي في حالة حصار داخلي بسبب العراق وعليها حسم مستقبل سياستها العراقية الجديدة، مع الحاجة دون شك إلى دور عربي معين في العراق حينذاك،

يفترض أن يسهل هذا الدور الحراك العائد عبر الاجتماع حول فلسطين. كما أن الإدارة في سنتها الأخيرة بحاجة إلى نجاح معين وهي تختم ملفاتها الأساسية في المنطقة التي حظيت بأعلى درجة من الأهمية وشهدت أعلى درجة من التورط والتدخل عند الإدارة الأميركية في العالم، الإدارة بحاجة لتحقيق بعض المكاسب ولو المتواضعة في ملف أساسي هو الملف الفلسطيني.

ـ وأضح دور كوندوليزا رايس في صياغة وهندسة هذه المبادرة التي ستترأس اجتماعها، ولكن من الواضح أيضا أن ديك تشيني والمحافظين الجدد وأصحاب المنطق التشددي والصدامي هم الذين حظوا بصياغة المقاربة الإيديولوجية التي تضمنتها هذه المبادرة، والواضحة بعناصرها المعروفة من ثنائية التطرف والاعتدال، والإصرار على التطبيع العربي مع إسرائيل المسبق أو المواكب للاجتماع، وعلى ملامح خطاب الخير والشر،

وتحديد الأولويات التي لا تقوم على فهم حقيقي لطبيعة الصراع وكونه صراع تحرير وطني، وليس عقائديا أو استراتيجيا «خارجيا»، وعلى وضع التزامات مسبقة على الأطراف الصديقة التي تسمى قوى الاعتدال ضد مصالح هذه الأخيرة وقراءتها لطبيعة الصراع ولكيفية التعامل معه،

مما يضع قيودا ضاغطة على جدول أعمال هذا الاجتماع وآفاقه. كما يعرضه للضعف أو الفشل من حيث عدد المشاركين ودورهم وتردد العديد من المرشحين للحضور بالمشاركة، ضمن هذه الرؤية الإيديولوجية التي تشوه طبيعة القضية وبالتالي تعرض فكرة هذا الاجتماع للخطر والخروج عن المسار الذي يفترض أن يكون هدفه.

ملاحظة أخيرة لا بد منها غداة هذا الخطاب الدعوة: يعاني طرفا الصراع من ضعف وارتباك كبير وتعرض لحصار سياسي على مستوى القيادة السياسية في الداخل، مما يغرقهما في السياسة الداخلية وتعقيداتها على حساب التفرغ نحو الآخر، وبالتالي يفقدان القدرة أو الرغبة على صنع السلام الشرعي، وهي سمة أيضا تشترك فيها الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيرا على الصعيد الدولي في صياغة التسوية أو في منع حدوثها في الصراع العربي الإسرائيلي.

إنها تراجيديا صارت تواكب باستمرار الصراع العربي الإسرائيلي.

كاتب لبناني