مرسوم الرئيس بوتين بتعليق مشاركة روسيا في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، جاء بعد أكثر من شهرين من دعوته للسلطات التشريعية بالمصادقة على مقترح بتجميد العمل بالمعاهدة المذكورة باعتبار أن برلمانات الدول الموقعة على هذه المعاهدة لم تصادق عليها بعد، ما يجعلها غير ملزمة لهم.
وسبق هذا المرسوم عشرات التصريحات الرسمية الروسية التي حذرت وهددت بالانسحاب من المعاهدة، ما لم تصادق عليها الدول الغربية، وتحترم بنودها. إلا أن هذا لم يحدث، وإنما واصلت الدول الغربية مطالبتها لروسيا بسحب قواتها من جورجيا ومولدافيا وفق بنود المعاهدة، دون أن تلتزم بتقليص قواتها وأسلحتها التقليدية التي كانت تتزايد بانضمام حلفاء موسكو السابقين لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. بل إن قيادة الناتو دعت أوكرانيا للانضمام إلى الحلف، وأرسلت إلى جورجيا مدربين عسكريين لأعداد قواتها بما يتلاءم مع متطلبات الناتو العسكرية.
وتجدر الإشارة إلى أن التوقيع على معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا لأول مرة كان في باريس في نوفمبر 1990، بعد سلسلة جولات من المفاوضات السوفيتية ـ الأوروبية. وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي كان لابد أن تؤدي التغيرات الجيوسياسية في المنطقة إلى تغيرات استراتيجية في وضع أوروبا بالنسبة لروسيا. حيث واصل حلف الناتو عملية إزاحة روسيا في الغرب من ساحل بحر البلطيق، ونجح في تحويل إقليم كالينينغراد الروسي إلى مقاطعة محاصرة من دول الناتو، تفصلها عن الأراضي الروسية دولتان من دول الناتو هما بولندا وليتوانيا.
ويتم في الجنوب احتواء روسيا من جهة ساحل البحر الأسود حيث ينضم إلى تركيا ـ عضو الناتو القديم ـ حليفان جديدان رومانيا وبلغاريا. وفى الوقت الذي ينضم فيه إلى حلف الناتو سبع دول جدد (من حلفاء موسكو السابقين)، حيث أعلن عن أن قبول الدول السبع المذكورة في الناتو يتم على أساس «معايير نوعية» مخفضة لحد كبير، باعتبار أن جيوش الأعضاء الجدد عمليا غير قادرة على العمل المشترك مع القوات المسلحة الأميركية الأوروبية. ما يعني أن الولايات المتحدة تؤيد توسع الناتو المخالف لاعتبارات الجدوى العسكرية من أجل تعزيز مواقعها السياسية في أوروبا.
واعتبرت موسكو اتفاقات واشنطن مع حكومة بوخارست والحكومة البلغارية حول إقامة قواعد عسكرية أميركية على أراضي البلدين، تشكل انتهاكا لمعاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا. نظرا إلى أن انضمام رومانيا وبلغاريا وحدهما يؤدي إلى تعدي القيود المفروضة بالمعاهدة على انتشار الدبابات والمصفحات والمدافع بقدر2200 دبابة و3300 مصفحة و2000 مدفع لصالح الناتو. ويسود اعتقاد في الكرملين أن الدول الأعضاء في حلف الناتو تماطل في المصادقة على التعديلات التي جرى الاتفاق على إضافتها لمعاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، والتي أصبحت ضرورة بعد تغير ميزان القوى العسكري على الأراضي الأوروبية، حتى يتمكن الحلف من إعادة انتشار القوات الأميركية ونقلها من غرب أوروبا إلى دول أوروبا الشرقية.
وقد هدد نائب رئيس الحكومة سيرجي إيفانوف منذ عامين بانسحاب روسيا من المعاهدة بسبب مماطلة دول الناتو في المصادقة عليها. وأكد رئيس هيئة الأركان العامة الروسية يوري بالويفسكي أن الغرب لا يريد المصادقة على المعاهدة لأنها تعيق أعضاء حلف الناتو من إعادة توزيع قواتهم العسكرية في أوروبا. وكان البرلمان الروسي قد صادق على هذه الاتفاقية في صيف عام 2004 بعد مرور أكثر من عامين من اتفاق الدول المشاركة فيها على صيغتها المعدلة. وذلك بعد أن وقع على المعاهدة المذكورة 30 بلدا من أوروبا بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا.
في الوقت نفسه صادقت برلمانات 3 دول فقط عليها، وهي أوكرانيا، وبيلاروسيا، وكازاخستان. وتنص الاتفاقية المذكورة على تحديد نشر الأسلحة التقليدية في البلدان المشاركة في المعاهدة مما سيساعد على تعزيز الاستقرار في مجال الأسلحة التقليدية في قارة أوروبا، وتعتقد موسكو أن المعاهدة بعد التعديلات التي تم الاتفاق عليها في نوفمبر 1999 بالعاصمة التركية اسطنبول ستحد من الآثار السلبية لتوسع حلف الناتو على أمن روسيا. باعتبار أن الصيغة المعدلة من المعاهدة تلزم الدول الأوروبية بتقليص قدرات قواتها العسكرية التقليدية، وتقليل إمكانيتها الهجومية.
حيث سيتم تقليص أسلحة 19 بلدا عضوا في حلف شمال الأطلسي، ووفقا للصيغة المعدلة من المعاهدة سيكون تسليح هذه القوات على الشكل التالي: 4800 دبابة، و4 آلاف عربة مدرعة، و4 آلاف مدفع، حيث إن حجم التسليح المذكور يكفى لتسليح 10 فرق ميكانيكية وفق معايير حلف الناتو. كما تنص الوثيقة المعدلة على وجود 28 مستوى جغرافيا وفق تعداد البلدان الأوروبية المشاركة في المعاهدة، ومستويين فرعيين في أراضي روسيا وأوكرانيا بدل المناطق الخمس التي كانت تتضمنها المعاهدة غيرالمعدلة.
ويضع النظام الجديد حدودا وأحجاما لنشر الأسلحة التقليدية البرية، ويحدد تنقلات الأسلحة التقليدية بين الدول المشاركة في المعاهدة. وتهدف الصيغة المعدلة من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا إلى تعزيز أمن كل دولة مشاركة في المعاهدة بغض النظر عن انتمائها لهذا الحلف السياسي العسكري أو ذلك. إلا أن هذه الاتفاقية التي صادق عليها البرلمان الروسي لم تصادق عليها برلمانات الدول الأوروبية والغربية التي وقعت عليها، ما يجعلها غير ملزمة لهم.
وقد باءت محاولات موسكو بالفشل في تجنب هذا الحصار الأطلسي بتقديم مقترح لدول البلطيق بالمصادقة على معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية قبل انضمامها إلى الناتو بما تضمن هذه المعاهدة للدول المذكورة من حصص قومية وإقليمية للأسلحة. إلا أن دول البلطيق رفضت هذا الاقتراح، باعتباره محاولة لممارسة الضغط على الدول ذات السيادة.
واعتبرت هيئة الأركان الروسية أن الخلاف الذي يتفاقم في إطار استمرار الجهود المكثفة لتغيير الخارطة الجيوسياسية للعالم لا يقتصر على ملف معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية، وإنما يتضمن أيضا عددا كبيرا من التهديدات الأخرى، منها خطط واشنطن لنشر درعها الصاروخي في شرق أوروبا، والذي يفرض على روسيا إعادة نشر قواتها وأسلحتها الاستراتيجية على أراضيها بما يضمن حماية أمنها القومي.
ما دفع هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية لوضع خطة متكاملة لمواجهة المخاطر التي قد تنجم من نشر القواعد الصاروخية على حدود روسيا، هذا الوضع الجديد كان السبب المباشر الذي دفع هيئة الأركان العامة الروسية للبدء في إجراء تغييرات جذرية بنية الجيش والأسطول الروسيين، تتضمن تشكيل «محاور عملياتية ـ إستراتيجية» بدلا من المناطق العسكرية الموجودة حاليا والانتقال من تنظيم القوات المسلحة القائم على الفرق والجيوش إلى أشكال أخرى أكثر مرونة وقدرة على المناورة للتشكيلات والوحدات العسكرية مثل ألوية وفيالق أي إلى تنظيم مجموعات عسكرية تشمل مختلف الأصناف.
إضافة لتحديث أشكال وأساليب استخدام القوات المسلحة بل وتغير مفهوم «القوة العسكرية» بعينه». كما تم تزويد القوات الروسية بصواريخ جديدة تفوق سرعتها سرعة الصوت، ونشر منظومات الدفاع الصاروخية «اس ـ 400» الحديثة، والقادرة على مطاردة وتدمير 12 هدفا في نفس الوقت. ولا يستبعد الخبراء العسكريون أن يتم نشر الصواريخ الاستراتيجية في إقليم كالينينجراد بالقرب من حدود الدول الأوروبية، ما يجعل أوروبا على مرمى الصواريخ الروسية. وهو ما قد يدفع أوروبا للتحرك باتجاه إيقاف المخطط الأميركي الخاص بنشر الدرع الصاروخي، حتى لا تتحول أوروبا لساحة لجولات الحرب الباردة.
مركز دراسات الطاقة
روسيا