مئات المندوبين والمبعوثين تم إرسالهم إلى فلسطين بهدف تقصي الحقائق أو إيجاد مخرج لمأزق التسوية على صعيد الصراع العربي - الصهيوني، منذ بداية ما عرف بالمسألة الفلسطينية والتي كانت أولى حلقاتها العملية والفعلية قد نشأت في أعقاب الوعد المشؤوم الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني «آرثر بلفور» عام 1917، حيث أعطى هذا الوعد الحق لليهود بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، متجاهلاً بذلك أبناء الشعب العربي الفلسطيني الذين يعيشون على أرضهم منذ أكثر من أربعة آلاف عام ، وضرب بلفور عرض الحائط بكل الوعود البريطانية للحسين بن علي شريف مكة.
وبعد احتلال القوات البريطانية لكامل الأرض الفلسطينية، أخضعت هذا الجزء العربي للانتداب حيث عملت قوات الانتداب البريطاني ورجال سياستها المتنفذون على تنفيذ وعد بلفور بكل قوة وتسهيل تهجير مئات آلاف اليهود إلى فلسطين، وغضت النظر عن تسليح العصابات الصهيونية فيما كانت تنصب أعواد المشانق لكل فلسطيني تعثر بحوزته على رصاصة. إذا كان هذا واقع وسياسة الإمبراطورية البريطانية العظمى في فلسطين طيلة فترة الانتداب التي امتدت حتى قيام دولة الكيان الصهيوني وبعده، فما الذي يمكن أن نتوقعه من المبعوث الجديد للمنطقة العربية « توني بلير» رئيس الوزراء البريطاني السابق ،الذي اجبر على الاستقالة من منصبه مؤخراً؟
(من بلفور إلى بلير يا قلبي لا تحزن)، فلن يكون أفضل ولا أكثر مهارة من القائد العام للجيش البريطاني في الثلاثينات من القرن الماضي «دل» والذي خاطبه الشاعر الشعبي الفلسطيني نوح إبراهيم في أعقاب تشكيل لجنة ملكية بريطانية لحل المشكلة الفلسطينية بقوله: دبرها يا مستر «دل» يمكن على يدك بتحل
بلير والذي اجتمعت اللجنة الرباعية قبل يومين في لشبونة لتحديد مهمته في المنطقة العربية، لا نرى أي بصيص أمل في مهمته القادمة غير الوعود والسراب، فلا اللجنة الرباعية التي تشكلت قبل عدة سنوات وضمت أميركا وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي قدمت شيئاً منصفاً للفلسطينيين، ولا حتى نفذت أي شيء من خارطة الطريق التي يفترض أن تطبق مشروع بوش لحل الدولتين. فبلير التابع للرئيس الأميركي جورج بوش لن يستطيع الخروج من عباءته وقد استبق بوش اجتماعات اللجنة الرباعية بدعوته لمؤتمر سلام في الشرق الأوسط سرعان ما بدد الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو أي أمل يتعلق بهذا المؤتمر واصفاً إياه بأنه مجرد اجتماع وقال ما نصه« الكثير من الناس يجنحون إلى اعتباره مؤتمراً كبيراً للسلام ، الأمر ليس كذلك».
والطامة الكبرى ليست في ما يبثه بوش أو بلير من وعود وآمال مزيفة، وإنما فيما يجري على ارض الواقع فلسطينياً وإسرائيلياً ، ففي الوقت الذي وصل فيه الأمر إلى حد القطيعة والعداوة بين حركتي فتح وحماس، يجتمع المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله لتقديم تنازلات جديدة ومكرساً الفرقة بين قطاع غزة والضفة الغربية، ورافضاً أي حوار بين حماس وفتح.
كل هذا والكيان الصهيوني يتمادى في رفض وقف مطاردة المقاومين الفلسطينيين وقتلهم واعتقالهم. ففي اليوم الذي يفرج فيه عن نحو 250 أسيراً فلسطينياً يعتقل عشرات غيرهم ويغتال قادتهم الميدانيين ويشرد مئات العائلات عن أرضها ويزرعها بالمستوطنات، ويفرض الحصار المشدد على معبر رفح في قطاع غزة وعلى المعابر بين مدن الضفة الغربية، ناهيك عن اقتراب اكتمال مخطط تهويد القدس العربية ومنع أي فلسطيني من أبناء الضفة الغربية من دخولها أو حتى الصلاة في المسجد الأقصى.
إن العدو الصهيوني الذي احتل أرضنا بالقوة لن يتنازل عنها طواعية على طاولة المفاوضات، فهم قد أكدوا ذلك مراراً بقولهم إنهم احتلوا هذه الأرض بقوة السلاح وليس بطريقة أخرى ، وقد علمتنا التجارب ان قوات الاحتلال الصهيوني لن تنسحب من أي ارض عربية إلا إذا تكبدت خسائر باهظة تجبرها على الانسحاب والتراجع، كما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة، فهل نعي الدرس أم اننا سنبقى نلهث وراء سراب التسوية؟