تحولات مهمة تطرأ على شكل الصراع الدولي وآلياته، حدود تسقط وأسوار حديدية يعاد بناؤها، هويات تتبدل فيؤكد أصحابها أشياء ويعيدون الاعتبار لأخرى، وأحياناً يهمشون عمداً جهة من جهات تصنيف الهوية. وقد بدا من التحذيرات الكثيرة التي صدرت عن حكام ووزراء خارجية عرب - فضلاً عن المرجعيات الدينية - محذرة من صراع طائفي شيعي سني أنها حالة خاصة مقصورة على العالم الإسلامي، لكن الفاتيكان أطلق رصاصة بدء صراع مذهبي مسيحي قد يكون مؤشراً على اتجاه العالم لحالة من التمترس المذهبي عابرة للأديان.

«احتكار روح المسيح» هو اسم الوثيقة التي نشرها الفاتيكان قبل أيام على موقعه الرسمي بسبع لغات في تحدٍ لبقية الكنائس. الوثيقة المثيرة للجدل تؤكد أن الكنيسة الكاثوليكية هي كنيسة المسيح الوحيدة، وتؤكد بلغة قوية استئثار «الفاتيكان بالخلاص وأسرار المسيح»، فالكنائس والجماعات الكنسية الأخرى محرومة من أسرار الخلاص، لأن روح المسيح أحجمت عن استخدامها كأدوات للخلاص وخصت الكنيسة الكاثوليكية فقط بذلك. وقال مجمع العقيدة والأديان الفاتيكاني إنه يصعب قبول استخدام كلمة كنيسة لوصف الجماعات غير الكاثوليكية.والوثيقة ترفض ما يعرف ب«النسبية اللاهوتية»، التي تعتبر أن جميع الكنائس المسيحية تمتلك نفس القدر من الحقيقة.

وأوضحت «التايمز» البريطانية أن ثمة خيبة أمل كبيرة تسيطر على البروتستانت والأرثوذكس، ونقلت عن السكرتير العام للمجتمع الكنسي أنه لا شيء جديداً في الوثيقة وهي توضح الطريقة التي يتبعها الفاتيكان لتمزيق المسيحية، وأضاف أن هذه المزاعم لا يمكن قبولها توراتياً أو تاريخياً ولا تهدف فقط لتفريق المسيحيين ولكن إلى قتلهم وإبادتهم!. وأحدثت الوثيقة ردود فعل عنيفة لدى الكنائس الأخرى التي هاجمتها، فاعتبرت الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية أن الوثيقة تعكس رغبة البابا في العودة للطقوس والممارسات الكاثوليكية الرومانية في عصور الظلام، حتى لو كان ذلك يسبب ألماً وإهانة لآخرين. وقال القس ولفانج هيوبر راعي الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا للغارديان البريطانية إن إعلان الفاتيكان يعد انسحاباً وارتداداً عن الفكر المنفتح الذي تبناه المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات، وقضى على الأمل في تحريك المياه الراكدة بين الكنائس.

وأكد رئيس اتحاد الكنائس الإنجيلية في إيطاليا باستور دومينيكو ماسيني أن الفاتيكان اتخذ خطوة واسعة إلى الوراء، وزاد اتساع الفجوة التي تفصل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والمجتمعات المسيحية الأخرى. البروتستانت من جانبهم لم يتوقعوا صدور الوثيقة بعد الضجة التي أثيرت بشأنها في الأيام التي سبقت الإعلان عنها، واعتبروا أن ما يفعله بابا الفاتيكان منطقي لأن هناك هجرة جماعية من الكاثوليكية إلى البروتستانتية. ومن اللافت للنظر أنه في حين رفضت الوثيقة الاعتراف بالكنيسة البروتستانتية واعتبرتها مجرد جماعات كنسية، لم توجه إهانات مباشرة للكنيسة الأرثوذكسية واكتفت فقط بالقول إنها تعاني عيوباً بسبب عدم اعترافها ببابا الكاثوليك. وحول الفارق بين الموقفين اعتبر البروتستانت أن الكاثوليكية والأرثوذكسية كنيستان تقليديتان والبروتستانتية ثورة إصلاح، لذا فإن بابا الفاتيكان لا يهتم بالكنيسة الأرثوذكسية لأنها لا تسبب له مشاكل في أوروبا، في حين يتحول آلاف من كنيسته إلى البروتستانتية.

مؤيدو وثيقة الفاتيكان يطرحون حقائق جديرة بالتوقف، ولنأخذ مثالاً على ذلك الأب رفيق جريش المتحدث الإعلامي عن الكنيسة الكاثوليكية في مصر الذي قال إن إعلان الكنيسة الكاثوليكية أنها كنيسة المسيح الوحيدة، وأنها تمتلك وتحتكر وسائل الخلاص ليس بجديد، وكل الكنائس تقول إنها كنيسة المسيح وأنها الأصح، وتستأثر بكل وسائل الخلاص! وانتقد جريش حملات التشهير، التي تقوم بها المنظمات اليهودية ضد الفاتيكان، بسبب قرار البابا بنديكتوس إحياء الصلاة بالقداس اللاتيني الذي يتم فيه وصف اليهود بالغادرين ويدعو لهم بالدخول في المسيحية. وأضاف أن اليهود لا يملكون حق الاعتراض على طريقة الصلاة التي نؤدي بها عبادتنا، موضحا أن الصلاة داخل الكنائس الكاثوليكية في مصر تكون باللغة العربية، وتتضمن نقدا لاذعا لليهود مثلما يقال في خميس العهد عن دورهم في صلب المسيح.

من جانبه يرى الدكتور القس إكرام لمعي بالكنيسة الإنجيلية المصرية أن إعلان كل كنيسة عن أنها صاحبة طريق الخلاص الوحيد، أصبحت ظاهرة مرجعها إلى التطرف والتعصب الذي يجتاح العالم كله سواء المسيحي أو الإسلامي. نحن إذن أمام موقفين من تعريف الدين أصلا، فأحدهما يعتبره مطلقا وطريقا «وحيدا» للخلاص، بينما الثاني يعتبره نسبيا وهدفه «خدمة الإنسان» وإسعاده، وبالتالي فإن الطرق للخلاص يمكن أن تتعدد ولا أحد يحتكر الحقيقة المطلقة، وبناء على هذا الاختلاف يتبادل الطرفان الاتهامات بالتشدد أو التسيب. وهذا الخلاف المفاهيمي وراءه صفحات سوداء من الحروب والصراعات الأهلية التي امتدت في الغرب لقرون.

ولم يخل الأمر من تداعيات سياسية مهمة، فإعادة إحياء القداس اللاتيني القديم الذي تم رفضه عام ؟؟؟؟ أثار حالة من الغضب بين الكاثوليك الليبراليين الذين اعتبروه ردة على الإصلاحات التي أعلنها مجلس الفاتيكان الثاني بين عامي ؟؟؟؟ و؟؟؟؟. وفي إنجلترا قال الأساقفة: إن مشكلة العودة إلى القداس اللاتيني لا تتمثل فقط في اختلاف اللغة، لكن تمتد إلى أن الطقوس اللاتينية تشمل صلوات معادية لليهود. ويتصل بهذا أن رابطة مكافحة التشهير العالمية انتقدت القرار الفاتيكاني واصفة إياه بأنه «تراجع في الحياة الدينية للكاثوليك»، وضربة شديدة للعلاقات الكاثوليكية اليهودية.

والكنيسة الكاثوليكية في النهاية ليست مجرد لاعب عادي على ساحة السياسة الدولية، بل تملك من النفوذ الروحي ما يجعلها قوة استثنائية على الساحة الدولية، وهي لعبت دورا كبيرا في تقويض الاتحاد السوفييتي وكان الإنجيل بحد ذاته سلاحا من أهم أسلحة هذه المعركة. والبعد المتصل بالموقف من اليهود في الوثيقة الجديدة سيجعل الفاتيكان في صراع مفتوح متعدد الجبهات ضد: العلمانيين، الكنائس المسيحية الأخرى، اليهود، وستلقي التوجهات الجديدة ظلالا كثيفة على مساعي الحوار الديني والمذهبي.

وهذا التوجه كله ستكون له تبعاته على ساحة السياسة الدولية، فالدين يعود بقوة لهذه الساحة لكن مصحوبا بحالة تمترس مذهبي عابر للأديان. وإذا كان الصراع المذهبي يدق جرس إنذار للسياسيين في العالم العربي، فإن الصراع المفاهيمي أمر يهم المثقفين العرب الذين يواجهون الصعود الديني الكبير على ساحة السياسة في العالم العربي، بصرخات متشنجة متجنبين مناقشة المفاهيم. ربما لأنها المهمة الأصعب!

كاتب مصري