لكون العلاقة بين الدولة والإقليم تتأثر قوة وضعفا، وتؤثر استقرارا واهتزازا بين الإقليم والعالم، وتتصل فيها روابط الوطنية والقومية والإنسانية ولا تنفصل، ويتأثر فيها الجزء بالكل مثلما يؤثر فيها اختلال التوازن في جزء باهتزاز وتصدع في الكل، فإنها في النهاية لا بديل لها عن التعايش السلمي والعيش المشترك بقيم مشتركة ونظام مشترك لتحقيق المصلحة المشتركة على أساس المشاركة والتوازن والمسؤولية بتوافق وتعاون الجميع لمصلحة وأمن الجميع.

فمثلا، إذا تصدعت دعامات إحدى البنايات اختل فيها التوازن وإذا اختل توازنها، اهتزت وأوشكت على الانهيار، عندئذ تصاب جدران الشقق بالشروخ وتتعرض محتويات الغرف للتلف واللوحات المعلقة على الجدران للسقوط، ويواجه السكان على اختلاف جنسياتهم وألوانهم وأديانهم ومذاهبهم أغلبية أو أقلية مخاطر مشتركة ليس فقط في البناية المتصدعة وإنما برفع حالة الطوارئ في الحي كله منعا لانهيارها على البنايات المجاورة. مثل هذه التصدعات بتداعياتها تنتج غالبا عن تجاوزات خاصة، كمخالفة القواعد الهندسية لضمان توازنات البنيان، أو الأخلاقية بالغش في مواد البناء كميا أو كيفيا، أو القانونية الموضوعة لتنظيم العمران لسلامة السكان، بمراعاة التوازنات بين قوة ضغط الطوابق وقدرة مقاومة الأساسات، وهو ما يؤثر به الجزء على الكل.. أو قد تحدث لأسباب عامة كالهزة الأرضية فيؤثر فيها الكل على الأجزاء.

وهذه التداعيات الطبيعية لابد أن تطرح على جميع السكان من المخاطر والتحديات الطبيعية ما يستلزم مواجهتها باستجابات طبيعية بفعل غريزة البقاء والحرص على الحياة بالتعاون المشترك، واستدعاء كل القيم والخبرات والإمكانيات الإنسانية المشتركة، وتناسي كل الخصوصيات الشخصية وكل الخلافات الأسرية، بل كل الخصومات بين الجيران. لكن من غير الطبيعي في مواجهة الخطر المشترك وسعيا لحماية البنيان المشترك ألا تكون هناك استجابة جماعية مشتركة لحماية موطن العيش المشترك، أو أن تأتى هذه الاستجابة غير طبيعية بأن يترك السكان الإنقاذ الجماعي للبنيان ويتبادلون توزيع الاتهامات، أو أن يسعى كل طابق أو شقة أو غرفة أو فرد بأنانية قصيرة النظر إلى محاولة إنقاذ نفسه فقط.

.. مثل هذه الاستجابة الفردية لن يكون لها من نتيجة سوى انهيار البناء على رؤوس الجميع! هذا البنيان السكنى والجوار والمصلحة المشتركة من علاقات متشابكة، إنسانية وأخلاقية وقانونية، هو صورة مصغرة للوطن، بل هو في الواقع وطن صغير بتعدد طوابقه مهما علت، وبتنوع سكانه أيا كانوا من كل الأديان أو الأعراق أو الألوان، وبتباين أفراده طبقيا أو فكريا أو وظيفيا، يفرض على الجميع الاتفاق على نظام خاص لعلاقات السكان يتوافق عليه الجميع.

وما ينطبق على النظام الخاص لهذا البنيان أو الوطن الصغير من الاحترام المتبادل وسلوك حسن الجوار والتعاون المشترك من أجل المصلحة المشتركة والمشاركة الإنسانية في السراء والضراء، ينطبق على البنايات المتجاورة في الحي الواحد، مع التسليم باختلافات فرعية في نظام كل بناية عن نظام غيرها من البنايات تبعا للثقافة الغالبة للسكان، لكن يبقى في الأساس ذلك النظام العام الذي يجب أن ينبع من الجميع ويتوافق عليه الجميع ويحقق مصلحة الجميع بالقواسم المشتركة للجميع.

وما ينطبق على الحي من قيم وعلاقات مشتركة ومن نظام عام يحقق المصلحة المشتركة ويحمى الجماعة من تحكم الفرد والفرد من طغيان الجماعة، ويسعى لدفع الضرر ولجلب المنفعة، ينطبق على المدينة وعلى المحافظة وفي النهاية على الوطن الواحد الكبير، ومن ثم على مجموعة الدول في الإقليم الجغرافي الواحد والقارة الواحدة، بل والعالم الواحد الأكبر.

والعالم العربي الكبير الذي هو جزء من العالم الإنساني الأكبر، بتعدد دوله على رقعة جغرافية متصلة لا فواصل بينها، وبتنوع دياناته كمهبط للرسالات الدينية السماوية الثلاث التي هي من مصدر إلهي واحد، وباختلاف منابع أعراق سكانه الذين تجمعهم ثقافة غالبة، وبقيمه الحضارية العالية كمهد للحضارات الإنسانية، وبتواصل تاريخه المشترك، هو في النهاية وطن كبير واحد، يحتضن بثقافته العربية الواحدة، كل الأوطان العربية الصغيرة سواء كان هذا الوطن الصغير بناية أو دولة.

mamdoh77t@hotmail.com