يروي الصحافي البولندي «ماسي نوفيك» أنه دعا قبل بضعة أشهر الفيلسوف السلوفيني الشهير «سلافوج زيزيك» للمشاركة في ندوة ببولندا حول مستقبل اليسار، فأجابه الفيلسوف أن محاضرته ستكون مقتضبة إلى حد أنها لا تستحق عناء السفر، ولن تتجاوز الكلمات التالية: «أي مستقبل لليسار؟ ليس لليسار أي مستقبل... وأشكركم على حسن استماعكم».
إذا كانت صحة اليسار الفرنسي «معتلّة» هذه الأيام إلى درجة كبيرة ويعيش إحدى أكبر أزماته منذ عدة عقود من الزمن بعد ثلاث هزائم متتالية في الانتخابات الرئاسية، فإنه مع ذلك لم يصل به التردي إلى الدرجة التي تحدث عنها الفيلسوف السلوفيني حول مستقبل اليسار. لم يصل بعد، على الأقل. الحقيقة التي تبهر الأبصار في الآونة الأخيرة هي أن معسكر اليسار في فرنسا بمجمله يعاني من فقدان بوصلة التوجه. هذا فضلا عن أنه «يكش» وتتضاءل قوته، وأن الحزب الاشتراكي «ينفرط عقده» ويغادره العديد من رموزه، إما للمشاركة الصريحة في الحكومة القائمة وتحمل المسؤولية مثلما فعل برنار كوشنير عندما تولى منصب وزير الخارجية الفرنسية، وإما للمشاركة في لجان ومؤسسات أقامها الرئيس نيكولا ساركوزي في إطار سياسة الانفتاح على مختلف القوى السياسية.
هكذا أصبح دومينيك ستروس كاهن، وزير الاقتصاد الفرنسي الاشتراكي الأسبق وأحد القادة الكبار في الحزب الاشتراكي، أحد «فيلته» كما يقال، هو المرشح لإدارة البنك الدولي بناء على اقتراح الرئيس ساركوزي قبل أن يصبح المرشح الأوروبي لهذا المنصب. وهكذا أيضا قبل جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي في ظل رئاسة فرانسوا ميتران، وأحد ركائز الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة للمرشحة الاشتراكية سيغولين روايال، أن يكون مبدئيا عضوا في لجنة شكّلها الرئيس ساركوزي تحت رئاسة رئيس وزراء فرنسا الأسبق ادوار بالادور، الشخصية اليمينية المعروفة، ومهمتها العمل على تجديد المؤسسات الدستورية الفرنسية.
جاك لانغ، استبق قرار الحزب الاشتراكي بفصله، وأعلن استقالته من منصب الأمين الوطني للحزب. ولم يتردد بعد أن «استعاد» حرية الكلام، في الحديث عن «تدهور المناخ الإنساني» في الحزب الاشتراكي، وأنه لم يعد سعيدا «في هذا البيت». تجدر الإشارة هنا إلى أن جاك لانغ قد أعلن بوضوح رفضه القاطع للمشاركة في الحكومة، وأنه لا يزال في «المعارضة» ومن موقع اليسار، معتبراً أن مشاركته في لجنة للنظر في آلية عمل المؤسسات الدستورية يدخل ضمن اهتماماته «التاريخية». وفي المحصلة إذا كان يؤكد أن الحزب الاشتراكي هو «حزبه»، فإنه لم يتردد في الإعلان بصوت قوي: «عاشت الحرية... عاشت الحياة».
وهوبير فدرين، وزير خارجية فرنسا الأسبق، ابتعد أيضا عن الحزب الاشتراكي كي يقترب من الرئيس ساركوزي ويقبل اقتراحه بالمساهمة في إعداد رؤية حول العولمة. هذا «الارتحال» الطوعي دون أي قسر أو إكراه لعدد من «فيلة» الحزب الاشتراكي نحو ما اعتقدوا أنه مصلحتهم، قد يرى فيه البعض ظاهرة «صحية» إذ يفسح المجال أمام صعود قوى جديدة لها مشروعها وربما «قارب النجاة» بالنسبة للحزب الاشتراكي. لكن مؤشرات كثيرة تدل على أن الحزب الاشتراكي «مكبّل» بنزاعات تمنعه من الحركة، فما بالك من التقدم. إذ ما انتهت المعركة الرئاسية بهزيمة سيغولين روايال حتى بدأت حرب القيادة والخلافة في أفق الانتخابات الرئاسية لعام 2012.
الأمر المؤكد هو أن السيدة روايال تتطلع ب«لهفة» إلى الموعد الرئاسي القادم كي تأخذ «ثأرها». طموحاتها هذه مشروعة إلى حد كبير، إذ جمعت حول اسمها ما يزيد عن 17 مليون ناخب فرنسي. صحيح أنها خسرت المعركة الأخيرة لكنها كانت «خسارة مشرّفة»، إذ عرفت كيف تظل «واقفة» رغم كل الطعنات التي وجهوها لها، ومن أصدقائها ورفاقها في الحزب، وبالطبع من خصومها. لكن مثل هذا الأفق المفتوح أمامها خبا كثيرا وغشاه الضباب الكثيف عبر سلسلة من الأخطاء والوقائع والأحداث التي هزّت صورتها بنظر الرأي العام. وليس أهمها أبدا إعلانها عن انفصالها عن شريك حياتها وأب أطفالها فرانسوا هولاند، الأمين الأول للحزب الاشتراكي، فالفرنسيون لا يولون أهمية سياسية كبيرة لساستهم ـ على عكس الانكلوسكسون ـ فالبشر لهم عواطفهم وشؤون القلب لا تتم ادارتها بقرارات. هكذا لم يفقد ميتران شرعيته واحترامه عندما اكتشفوا ان له ابنة غير شرعية «مازارين». المهم هو ألا يكون للحياة الخاصة تأثيرها على المال العام وعلى التوجهات السياسية للبلاد.
ولقد رأى الكثير من الفرنسيين أن السيدة روايال قد «خدعتهم» عندما أعلنت بعد الانتخابات الرئاسية، حيال ال35 ساعة عمل أسبوعيا وال1500 يورو كحد أدنى في الأجور، مواقف مغايرة للمواقف التي كانت قد قالت بها ودافعت عنها عندما كانت مرشحة. بكل الحالات قررت السيدة روايال أن تقوم بعملية «انتقاد ذاتي» أمام «الأصدقاء فقط» الذين اجتمعوا حولها قبل أيام في إحدى قاعات الجمعية الوطنية الفرنسية. والسؤال اليوم يتعلق بالإستراتيجية التي سوف تنتهجها من أجل السيطرة على «آلة» الحزب الاشتراكي، كخطوة لا بد منها في منظور الانتخابات الرئاسية المقبلة. لعلها سوف تحافظ حاليا على موقع «متراجع» وتقيم ما تستطيع من الشبكات حولها بانتظار المؤتمر القادم للحزب الاشتراكي عام 2008.
لقد ساد التصور لفترة قصيرة، إثر الهزيمة في الانتخابات الرئاسية، أن الحزب الاشتراكي سيعقد «مؤتمره» قبل أوانه الطبيعي ليقوم بعملية تجديد مطلوبة وملّحة. لكن المسألة كلها «تجمّدت» مع «التقدم» الذي أحرزه الحزب في الانتخابات التشريعية التي جرت بعد شهر من الرئاسية. هكذا أعطت القيادة الحالية للحزب نفسها «مهلة» لتحضير المؤتمر ضمن شروط مناسبة أكثر بالنسبة لها، لكنها بالتأكيد لم تفعل سوى تأجيل «المشكلة» وليس حلها. بانتظار ذلك، لا شك أن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي لن يسهّل مهمة اليسار في تجميع قواه باعتباره الخصم الأكثر بروزا في الساحة، وكل الوسائل «جيدة» من أجل تحقيق الأهداف المنشودة. المشكلة هي في اليسار نفسه، فإذا أصرّ على أن يبقى أسير طبيعته التقليدية الجامدة، الإيديولوجية، فلا مستقبل له. والتاريخ لم، ولن، ينتهي.
كاتب سوري