تنشط الإدارة الأميركية هذه الأيام في تحريك أوراقها العسكرية والسياسية والاقتصادية باتجاهات تميل نحو ترسيخ الوجود الأميركي في العراق، وهو ما يمكن، أن نطلق عليه استراتيجية البقاء الطويل.
مما لاشك فيه أن أولى الأفكار الأميركية التي وضعت في العراق كانت تدور حول أهمية تثبيت موضع قدم للقوات الأميركية فيه لأطول وقت ممكن ولكن جاءت الرياح في العراق بما لا تشتهي سفن بوش وإدارته بالشكل الذي احتاجت فيه كل فترة لإجراء عملية مراجعة ووضع خطط وتكتيكات جديدة حتى أضحت أهدافها أضيق بكثير من تلك المشاريع والأحلام التي حملتها القوات الأميركية معها في العراق.
الولايات المتحدة أدركت أن البقاء طويلا في العراق يعني بالضرورة ثلاثة مرتكزات أساسية:
أولا: حكومة لا تحظى بدعم الأغلبية الشعبية أو السياسية وبمعنى أصح معزولة في دائرة تضيق تلقائيا إلى أن تنهار ذاتيا في الزمان والكيفية التي تحددها مقتضيات الاستراتيجية الأميركية.
وهذا الأمر هو ما يحدث فعلا فالحكومة أضحت محاصرة بالانتقادات والتشكيكات بجديتها وفاعليتها فمنذ توليها زمام الأمور في العراق والأوضاع صارت تنحدر من هاوية إلى أخرى ومن حضيض إلى آخر بل إن هذه الحكومة أضحت تعاني من فوبيا المؤامرات والانقلابات حتى أنها تحولت من إيجاد الحلول للأوضاع السيئة التي تغرق فيها البلاد إلى مقاتلة طواحين الهواء فتخترع لنفسها أعداء يريدون الإطاحة بها.
حتى انتهى الأمر إلى ان تحارب حكومة المالكي نفسها فصارت تقيل الوزراء وتعتقل آخرين وتقصي من العملية السياسية أطرافاً تعد أساسية في التكوين الحكومي. التحول الأخطر أن هذه الحكومة صارت تواجه انتقادات من ذات الشخصيات والأطراف الرئيسة في الائتلاف العراقي الذي تمخضت عنه الحكومة، ولم يعد لها من خيار سوى الدعم والغطاء الأميركي وهو بالتحديد ما تعمل من أجله الحكومة العراقية.
ثانيا: ترسيخ فكرة أن هنالك تمرداً في العراق لا منقذ منه سوى وجود القوات الأميركية. وهذا ما صرح الجنرال بيتريوس حيث قال: إن مواجهة التمرد في العراق مهمة طويلة الأمد قد تستمر لعقود. وأشار بيتريوس، إلا انه في الوقت ذاته حريص على التأكيد على ان عدم الاستقرار الذي يشهده العراق لن ينتهي بين عشية وضحاها.
وأضاف ان شركاءه البريطانيين في العراق يعلمون جيدا أن مثل هذه العمليات قد تستغرق وقتا طويلا، ربما عقودا. وأوضح ان «المدة التي قد تستغرقها عملية القضاء على المسلحين قد تستغرق ما بين 9 و10 سنوات». وقال بيتريوس ان الأهم من الفترة التي يستغرقها القضاء على المسلحين هو عدد القوات الأميركية التي المطلوب بقاؤها في العراق.
وأوضح أن الجميع سواء في الولايات المتحدة او العراق يريدون رحيل القوات الأميركية من العراق. ولكنه في الوقت ذاته قال انه من الضروري ان نتأكد من ان «الانجازات التي تحققت من عمليات القتال العنيف في أماكن مثل بعقوبة والرمادي سوف تبقى وتستمر وتزيد على يد القوات العراقية والزعماء السياسيين العراقيين». يذكر ان القوات الأميركية سيطرت خلال الأسابيع القليلة الماضية على بعقوبة والرمادي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة المسلحين الذين ينتمون إلى تنظيم القاعدة.
وارجع بيتريوس النجاح الأخير إلى زيادة أعداد القوات الأميركية، حيث تم نشر حوالي 30 ألف جندي إضافي في العراق. وقال انه بعد نشر هؤلاء الجنود تقلصت أعمال العنف «فعلى سبيل المثال كان شهر يونيو هو اقل شهر في العام من حيث أعمال القتل الطائفي ببغداد».
وعلى العكس من ذلك فإن أشهر ابريل ومايو ويونيو هم أكثر الشهور دموية في صفوف القوات الأميركية بالعراق. وبالتالي فإن الولايات المتحدة تبث بين الحين والآخر بأن القوات الأميركية تمارس دورها الفعال في فرض الأمن والاستقرار في العراق لكي ترسخ فكرة فعالية الدور الأميركي في حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب.
ثالثا: هذا المرتكز هو تهديدات دول الجوار ودور القوات الأميركية في مواجهة هذه التهديدات وربما تضخيمها.. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران متزايد باطراد ومن جهة أخرى فإن هناك اتهامات متبادلة بين الطرفين تدور حول دور إيران في دعم الميلشيات في العراق وكذلك الهجمات على القوات الأميركية.
وليست إيران التهديد الإقليمي الوحيد بل هناك التهديد التركي الذي بدا يلوح في الأفق حيث إن هنالك حشودا تركية على الحدود العراقية ـ التركية ويذكر أن وزير الخارجية التركي عبدالله جول كان قد قال في الثامن والعشرين من الشهر الماضي إن حكومته قد انتهت من وضع الخطط العسكرية اللازمة للتدخل في العراق لمطاردة متمردي حزب العمال، وان الجيش التركي ينتظر الضوء الأخضر من الحكومة ليبدأ بتنفيذ هذه الخطط.
السؤال الذي يطرح نفسه هل ان استراتيجية البقاء الطويل في العراق سوف تقاوم القوى الضاغطة داخل الكونجرس وخارجه؟ هل ان هذه الاستراتيجية ستكون رهنا بفترة إدارة بوش أم أن ورثة بوش المقبلين سيدلون بدلوهم أيضا في حرب العراق؟
ورغم كل التساؤلات والاقتراحات تبقى قناعتنا ان الأخير يرتجى من محتل مهما تظاهر بأن وجوده صمام أمان للعراقيين التي باتت مفردة الأمان آخر المفردات في قاموسهم. بل ان كل المخاطر التي تحاول الإدارة الأميركية رسمها في العراق والأعداء الذين تروج لهم، هم في الواقع أعداء للولايات المتحدة وهم يطاردون الولايات المتحدة في كل مكان يثقفونهم فيه. ولا اعرف ما الذي ستخسره الولايات المتحدة لو أنها جربت الخروج من العراق فلا اعتقد ان هنالك حربا أهلية أسوأ من التي تطحن العراقيين اليوم ولا وجود لمذبحة كالتي تقتل العراقيين.
والواقع ان العراقيين قد ملوا كثيرا القلق الأميركي على امن العراقيين وخوفهم من أن تهجر العائلات أو يقتل الأطفال او تنهب ثروات العراق او يتقاتل العراقيون او تتدخل دول الجوار في العراق أو أن تدمر المساجد ودور العبادة وتنتهك كرامة الإنسان العراقي، وكل تلك المظاهر، التي يقينا الله شرها، بفضل وجود نعمة الاحتلال الأميركي .....!!
كاتبة عراقية