ما زالت تداعيات الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان (12/ 7 ـ 14 /8/ 2006)، تفعل فعلها في المشهد السياسي الإسرائيلي واللبناني، كما في المشهد السياسي المتعلق بالصراع على الشرق الأوسط.
معلوم أن هذه الحرب من جهة إسرائيل تمخّضت عن إخفاق سياسي وعسكري كبيرين، وإلى كسر أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، أمام قوة غير نظامية، وعلى رغم الفارق الهائل في ميزان القوى بين الطرفين.
على الصعيد السياسي، مثلاً، فقد أدت تداعيات هذه الحرب إلى تضعضع حكومة الوحدة الوطنية، وتدهور مكانة حزب كاديما، في المجتمع الإسرائيلي، وتراجع شعبية ايهود اولمرت رئيس الحكومة على كافة المستويات.
وبالنسبة لحزب العمل، وهو الشريك الثاني الرئيس في الحكومة، فقد أودت نتائج هذه الحرب بزعيمه (السابق) عمير بيريتس، والذي كان يحتل منصب وزير الدفاع خلالها، إذ حل محله ايهود باراك، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، في زعامة الحزب وفي المنصب الوزاري.
ومن نتائج هذه الحرب على الصعيد الحزبي، أيضاً، معاودة حزب الليكود لشعبيته، بزعامة بنيامين نتانياهو، حيث من المرجح أن يتنافس على موقع رئاسة الحكومة، في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، في مواجهة زعيم حزب العمل (باراك)، في حال لم يستطع حزب كاديما النهوض ثانية.
وعلى الصعيد العسكري فقد قادت تداعيات هذه الحرب إلى استقالة عديد من قادة أركان الجيش الإسرائيلي، ضمنهم رئيس الأركان السابق (دان حلوتس)، ومجيء رئيس أركان جديد (غابي أشكنازي)، بعد أن تصاعدت الانتقادات المتعلقة بسوء الإدارة وتخلف الأداء في قيادة هذه الحرب.
وكانت حرب يوليو ـ أغسطس، في دروسها، حضّت المؤسسة العسكرية على مراجعة استراتيجيتها الحربية، والتي اعتمدت أكثر على سلاح الطيران والقصف الصاروخي (على حساب سلاحي الدبابات والمشاة)، وعلى وجود جيش صغير متحرك وذكي (بالاستناد لدروس حرب العراق في العام 2003).
وذلك لصالح العودة إلى الاستراتيجية الكلاسيكية القديمة للجيش الإسرائيلي، والتي تتأسّس على عناصر، المفاجأة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والاستخدام المكثف لقوة النيران، والاعتماد على سلاحي الطيران والدبابات، وتقصير أمد المعركة.
وبشكل عام فإن الحرب على لبنان أدت إلى حدوث هزة كبيرة في المجتمع الإسرائيلي، لجهة ثقته بقيادته السياسية وبجيشه وبأمنه وحتى بمستقبل دولته في الشرق الأوسط المليء بالمتغيرات والمفاجآت. وبالنسبة لإسرائيل والإسرائيليين فإن هذه الحرب لطّخت سمعة الجيش الذي يعتبر بمثابة قدس الأقداس، ومركز الإجماع، في المجتمع الإسرائيلي.
والأنكى من ذلك أنها لم تحقق الأهداف المرجوة منها تماماً، فهي لم تحرر الأسرى الإسرائيليين المعتقلين لدى حزب الله، ولم تتمكن من كسر شوكة هذا الحزب في لبنان، ولم تجلب لبنان إلى الرضوخ لإملاءات إسرائيل السياسية، وهي فوق ذلك عززت من نفوذ سوريا وإيران في المنطقة، وقوّت نفوذ حماس، وجماعات الإسلام السياسي الراديكالية الناشطة في الشرق الأوسط، فضلاً عن ازدياد تدهور وضع الولايات المتحدة في العراق.
هكذا يرى بن كسبيت أن إسرائيل لم تكسب ولم تخسر هذه الحرب، وإنما خرجت متعادلة، ولكن هذا التعادل «بالنسبة لدولة معتادة على الانتصار السهل والسريع هو بمثابة خسارة أيضاً». (معاريف 12 /7) ومن جهته يلخص يوئيل ماركوس حرب لبنان بقوله: «من بين كل حروب إسرائيل هي الحرب الوحيدة المذكورة كفشل.
إذ كانت حرباً هي الأطول.. الحرب الوحيدة التي ضرب فيها العدو عمق الجبهة الداخلية.. الحرب الوحيدة التي تقررت بتفكر متعجل لبضع ساعات فقط.. الحرب الوحيدة التي كانت نهايتها معروفة مسبقاً.. الحرب الوحيدة التي انطلقنا إليها ونحن غير مستعدين. والأخطر من كل ذلك، إذ كانت هذه الحرب الوحيدة التي قضمت من فكرة الردع والقوة العسكرية لإسرائيل في نظر جيرانها والعالم..
الحظ كان معنا، حين تلقينا ضربة على أطراف الأصابع في الوقت الذي لم يكن هناك خطر وجودي على الدولة ولم يلحق ضرر لا يمكن إصلاحه». (هآرتس 13/ 7) أما على صعيد لبنان فقد أدت هذه الحرب بدورها إلى هزة، بكل معنى الكلمة، سياسية وحكومية ومجتمعية، في آن واحد.
فعلى الصعيد السياسي وبعد أن كان ثمة إجماع على المقاومة، وجد حزب الله نفسه في موقع الدفاع، بدل أن يكون في موقع المنتصر، على خلفية الدمار الهائل الذي تسببته الحرب، وعلى خلفية التساؤلات بشأن الشراكة في البلد، وبشأن تولي حزب بعينه تقرير مصير لبنان، وأخذه نحو الحرب أو نحو السلام، كما على خلفية التجاذبات الإقليمية، التي وجد حزب الله نفسه في وسطها، بحكم مواقفه السياسية وعلاقاته الإقليمية.
والمشكلة أن حزب الله، في هذا الأمر، تحول من وضع الصراع الوطني، في مواجهة العدو، إلى وضع الصراع الداخلي، المتعلق بطبيعة السلطة الحاكمة في لبنان، ما وضعه في مواجهة أفرقاء عديدين. ومعضلة حزب الله هنا أنه لم يترك مجالاً للتميز بين كونه حزباً للمقاومة، وبين كونه حزباً منبثقاً من التركيبة اللبنانية، المكونة للنسيج اللبناني، خصوصاً أنه محسوب على طائفة بعينها.
أيضاً فإن هذا الحزب لم يميز بين أطروحاته وبين الاستحقاقات السياسية الإقليمية التي وجد نفسه مضطراً للانخراط فيها. وفوق كل ذلك فإن حزب الله دخل في معمعة الخلافات الداخلية، في وقت يشهد فيه لبنان صراعاً وانقساماً حادين حول شرعية التمديد للرئيس إميل لحود، وبشأن تشكيل المحكمة الدولية المعنية بمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وبشأن آليات تنفيذ القرار 1559 القاضي بخروج القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات غير الشرعية فيه (المخيمات وحزب الله وغيرهما). الأنكى من كل ما تقدم أن المناخات في المنطقة باتت تحتمل إثارة الشبهات والنعرات الطائفية (لاسيما بين السنة والشيعة)، على خلفية ما يجري في العراق، وعلى خلفية تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، الأمر الذي نال من مكانة حزب الله ومن صورته على الصعيد العربي والإسلامي.
بحيث بات يجري التعامل معه وكأنه معطى إيراني أكثر من كونه معطى لبنانياً. هكذا فإن تداعيات هذه الحرب أدت إلى انفراط عقد الحكومة اللبنانية، بعد استقالة وزراء حزب الله وأمل منها، حيث احتدم الصراع في لبنان حول شرعيتين (الرئيس ورئيس الحكومة)، في حين تم تجميد مجلس النواب.
أما بالنسبة للصراع ضد إسرائيل، فإن من نتائج هذه الحرب تأمين حدود إسرائيل الشمالية مع لبنان، ووضع حد لا مكان توجه مجموعات حزب الله لقتالها، لاسيما مع وجود القوات الدولية التي وافق عليها لبنان، وحزب الله بالذات، كشرط لوقف الحرب.
وبهذا المعنى فإن إسرائيل استطاعت في حربها المذكورة أن تفرض منطقة فاصلة بينها وبين لبنان، وأن تحول حزب الله من الصراع معها إلى الصراع الداخلي، وأن تحوله من نقطة إجماع للبنانيين إلى نقطة انقسام وتوتر بينهم. وبالنظر إلى التشابكات والمداخلات والانقسامات في الصراع على الشرق الأوسط، يمكن القول ان تداعيات حرب إسرائيل على لبنان لم تنته بعد، ولم تكتمل فصولها، بدليل الحديث عن صيف حام أو دام، وبدليل الحديث عن حرب أخرى، في لبنان، أو ضد بلد آخر.
كاتب فلسطيني