على هامش إحدى الندوات الفكرية جرت مشادة ودية بيني وبين أحد الإخوان المغاربة حول مسألة ما بعد الحداثة. وكان رأيي أنه لا معنى للاهتمام بفلسفة ما بعد الحداثة إذا لم يستوعب القارئ العربي أولاً فلسفة الحداثة ذاتها. ففهم السابق ضروري لفهم اللاحق.
وكان هذا الموقف يبدو لي منطقيا جداً، بل ومن العيب إضاعة الوقت فيه. فمصطلح ما بعد الحداثة post modernity جاء بعد مصطلح الحداثة modernity مباشرة، إما لنفيه وإما لمواصلته واستمراريته بعد تصحيح أخطائه. كلا المعنيين وارد.
ومعلوم أن مصطلح ما بعد الحداثة كان قد ظهر لأول مرة في اللغة الإنجليزية لدى ناقد أميركي يدعى تشارلز جيكينس حوالي عام 1975. وقد طبقه على فن العمارة أولاً قبل أن ينتقل إلى الفلسفة و الميادين الأخرى لاحقاً ويشهد كل هذه الشهرة والانتشار.
ولكن المصطلح لم يأخذ كل أبعاده الفلسفية إلا عندما أصدر المفكر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار كتابه المعروف: «شرط ما بعد الحداثة» عام 1979. وعندئذ أصبحت كلمة ما بعد الحداثة تعني كره الحداثة ومحاولة الخروج منها بأي شكل أو الانقلاب عليها بحجة أنها فشلت في تحقيق وعودها.
ففي رأي هذا الفيلسوف ان الإيديولوجيات الكبرى التي سيطرت علينا طيلة القرنين الماضيين كالليبرالية، والاشتراكية، والماركسية، لم تستطع ان تحقق للبشر السعادة على هذه الأرض. ولذلك فهو يدعوها بالحكايات الطوباوية او الأساطير الكبرى..
وبالتالي فينبغي التخلي عنها ومحاولة البحث عن إيديولوجيا بديلة: وهي ما يدعوه بما بعد الحداثة. بل يحمل الفيلسوف المذكور حملة شعواء على فلسفة التنوير التي أوهمتنا بفكرة التقدم وقالت لنا إن الإنسان سائر لا محالة نحو الأفضل باستمرار.
إذا ما اتبع منهجية العقل وتخلى عن الخرافات والعقلية الغيبية التي سيطرت إبان العصور الوسطى المسيحية. وفي رأيه أن هذه المقولة سقطت بعد المرور بتجربة الفاشية والنازية والمحرقة اليهودية، ولم يعد بالإمكان أن نعطي ثقتنا لأيديولوجيا التقدم والتنوير والحداثة كما كنا نفعل سابقاً.
نلاحظ انه، كمعظم مفكري الغرب، لا يتحدث عن المحرقة الفلسطينية الناتجة مباشرة عن محرقة اليهود. وبالتالي فالغرب مسؤول عن محرقتين لا محرقة واحدة. متى يعترف فلاسفة الغرب بهذه الحقيقة البسيطة والبديهية؟ في الواقع ان بعضهم يعترف كالفيلسوف الماركسي ايتيان باليبار مثلا وله الشكر. وكذلك مكسيم رودنسون يعترف بالحقيقة الموضوعية في فلسطين وبعض الآخرين.
وقد وصل الأمر بجان فرانسوا ليوتار إلى حد نعت هذه الأيديولوجيا الحداثية بالحكاية الطوباوية التي لا معنى لها.. وقال: آن الأوان لكي نخرج من هذه الحكايات الوهمية الكبرى التي خيَّبت آمالنا: أي من العقلانية التنويرية، وفكرة التقدم، والأيديولوجيا الليبرالية، وكذلك الأيديولوجيا الاشتراكية، فهي ليست يقينيات علمية وإنما مجرد طوباويات تحرك الجماهير وتوهمها بالتحرير والخلاص، ولكن بلا جدوى.
ولكن نخرج إلى أين؟ هذا ما لم يوضحه لنا جان فرانسوا ليوتار بشكل جيد. وهكذا بقي مصطلح ما بعد الحداثة غامضاً، ملتبساً، لا أحد يعرف ماذا يعني بالضبط. فالبعض يعني به العودة إلى ما قبل الحداثة وبخاصة في مجال العمارة، والبعض الآخر يعني به القفز على التاريخ أو الهروب إلى الأمام بطريقة مراهقة ولا مسؤولة.
فهؤلاء ينطلقون من فكرة أن الحداثة استنفدت كل إمكانياتها وأعطت كل ما يمكن أن تعطيه ووصلت إلى الباب المسدود. وبالتالي فلم يعد أمامنا إلا أن نقفز عليها لكي نتوصل إلى مرحلة جديدة كلياً، مرحلة لا أحد يعرف سماتها ولا ملامحها لأنها لم تتحقق على أرض الواقع بعد: هي ما يدعونه بمرحلة ما بعد الحداثة. إنها مرحلة مترجرجة، غسقية، لم يستبن فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود بعد... وذلك ككل المراحل الجديدة في التاريخ.
وككل شيء جديد انتشر المصطلح وأغرى الناس باستخدامه وإتباعه باعتبار أن الحداثة أصبحت قديمة، بالية، عفا عليها الزمن !! وهكذا انقلب مصطلح الحداثة إلى عكسه. ولكن لا أحد يتوقف لكي يطرح السؤال: ما الذي حقق كل هذا التقدم الصناعي، والتكنولوجي، والطبي، والعلمي، والسياسي، والاقتصادي للبشرية طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين؟
إنا الحداثة التنويرية ولا شيء غيرها. أيحق لنا بعد كل ذلك أن نرميها في مزبلة التاريخ لأنها انحرفت في لحظة ما عن مسارها وأدت إلى الفاشية والنازية والشيوعية الستالينية؟ ولماذا نرمي الطفل مع الغسيل الوسخ كما يقال في المثل الفرنسي؟ ألا ينبغي علينا بالأحرى أن نغربل الحداثة ونفرز الصالح عن الطالح منها فنبقي على الإيجابيات ونطرح السلبيات؟ أليس هذا هو الموقف السليم والعقلاني؟
على أي حال هذا هو موقف عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين الذي خصص للموضوع كتاباً كبيراً مهماً تحت عنوان: نقد الحداثة. ولكنه لم ينقد الحداثة إلا بعد أن استعرض إنجازاتها الايجابية في الفصول الأولى من الكتاب وكيفية تشكلها على مدار القرون الأربعة المنصرمة من عمر الحضارة الغربية.
ولم يطبّل ويزمّر لفلسفة ما بعد الحداثة إذا كانت تعني الانقلاب على الحداثة وتدمير إنجازاتها الرائعة التي ترسخت في المجتمعات المتقدمة حتى أصبحت حقيقة واقعة لا مرجوع عنها. وقال بما معناه: نعم للنقد الإيجابي للحداثة، ولكن لا، وألف لا للنقد السلبي الهدام الذي يطيح بكل شيء.
وقال أن ما بعد الحداثة ليست إلا امتداداً للنقد التدميري للحداثة على يد ماركس ونيتشه وفرويد، فكل واحد من هؤلاء انتقدها من وجهة نظر مختلفة. لقد انتقدوها عندما كانت لا تزال في بدايات صعودها وليس بعد ان وصلت وانتصرت.. وكان نقدهم مشروعاً وغير مشروع في ذات الوقت. ثم سار على خطاهم لاحقاً كل منتقدي الحداثة التنويرية والليبرالية.
وبالتالي فما بعد الحداثة تعني بمعنى من المعاني تدمير العقلانية والقيم التنويرية والتركيز على حق الاختلاف والنسبية الخصوصية إلى حد تدمير أسس الحضارة الكونية. فهل نحن العرب بحاجة إلى فلسفة من هذا النوع؟ هل نحن بحاجة إلى التشكيك بالعقل والعقلانية والنظام والانضباط، وتمجيد النزعات الغرائزية والفوضى والانفلات؟
ألسنا بحاجة إلى عكس ذلك تماماً في العالم العربي والإسلامي؟ إذا كان الغرب يستطيع أن يسمح لنفسه ببعض الانفلات والخروج على العقلانية الصارمة للحداثة بعد أن شبع منها وملّ وبعد أن بنى بلاده ومؤسساته بشكل راسخ ولم يعد يخاف على نفسه، فإننا لا نمتلك مثل هذا الترف فيما يخصنا.
فنحن أحوج ما نكون إلى ترسيخ القيم العقلانية في بلادنا من أجل محاربة الجهل والتعصب والاستبداد في الرأي وكل القيم القروسطية التي لا تزال تسيطر علينا أو على قطاعات واسعة من مجتمعاتنا. نحن بحاجة إلى البناء والعمران، لا إلى الهدم والتدمير لان كل شيء متهدم عندنا أصلا..
نحن بحاجة إلى الحداثة والتحديث في كل المجالات. وهذا ما قاله ادوارد سعيد في آخر مقابلة أدلى بها قبيل موته بأسابيع قليلة. فقد حذر من أفكار فلاسفة ما بعد الحداثة كجان بودريار الذي مات في باريس قبل فترة قصيرة وكجان فرانسوا ليوتار وسواهما من العدميين الذين يبثون الشؤم واليأس في أوساط المثقفين العرب وغير العرب من أبناء العالم الثالث.
نحن لسنا بحاجة إلى أفكار فلسفة العبث أو اللامعقول أو سوى ذلك من التيارات العدمية التي يفرزها الغرب وموضاته من حين إلى حين. وانه لشيء سوريالي ان نتلهى بمناقشات بيزنطية عن فلسفة ما بعد الحداثة، ونحن لم نتوصل بعد إلى الحداثة ذاتها!
أقصد من كل ذلك التوصل إلى ما يلي: إذا كانت مجتمعاتنا لا تزال غاطسة في مناخ التصورات القروسطية القديمة، فما معنى أن أتحدث للقراء العرب عن فلسفة ما بعد الحداثة؟! ما معنى أن أدعوهم إليها إذا كانوا غارقين من أعلى رأسهم إلى أخمص قدميهم في عقلية ما قبل الحداثة؟
القارئ الأوروبي يستطيع أن يفهم معنى الانتقال من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة إذا كان لهذا الانتقال من معنى، لأنه يعيش في مناخ الحداثة العلمية والفلسفية والسياسية والتكنولوجية والاستهلاكية منذ مئة سنة على الأقل. لقد جرَّب الحداثة واكتشف خيرها وشرها ورآها متحققة على أرض الواقع بأم عينيه،
وبالتالي فهو يعرف عن أي شيء نتحدث عندما نلفظ كلمات من نوع: حداثة، ما بعد الحداثة، ما قبل الحداثة، نقد الحداثة، او تنوير، ما بعد التنوير الخ.. أما القارئ العربي الذي لم يتح له حتى الآن أن يعيش في مثل هذا المناخ الحداثي المتطور، أي لم يتح له أن ينتقل من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة، فأنّى له أن يفهم كل هذه المناقشات العويصة التي تخص واقعاً آخر غير واقعه، وثقافة أخرى غير ثقافته؟
وبالتالي فمن الأفضل للمثقفين العرب أن يشغلوا أنفسهم بمشاكل واقعية محسوسة تخصنا بالفعل: كمشكلة التخلف، والتنمية، والاستبداد السياسي، والتعصب الطائفي والمذهبي الذي يهددنا بحروب أهلية لها أول وليس لها آخر.
إأن المشكلة الملحة المطروحة علينا هي نقد الموروث المتراكم المتحجر والعصبيات القديمة المتأصلة في النفوس، لا نقد الحداثة، على عكس ما هو سائد في الغرب. ونحن بحاجة إلى تنمية العقلانية لا تفكيكها، وإلى ترسيخ الحداثة لا نقدها وتشريحها.
كاتب سوري باريس