في زيارة خاطفة إلى الجزائر دامت بضع ساعات، جاء الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي ليسوق سياسته الجديدة في المنطقة ببراغماتية لا يوجد فيها شيء ملموس على الإطلاق، خاصة بالنسبة للطرف الجزائري. يريد الرئيس ساركوزي من خلال مشروع الاتحاد المتوسطي استحداث إطار تشاوري لمحاربة ظاهرة الإرهاب التي تحسب فرنسا ألف حساب لها .

خاصة بعد تهديدات «قاعدة المغرب الإسلامي» باستهداف أراضيها ومصالحها القومية. المشروع كذلك يتعلق بالتصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تزحف بشكل متصاعد على دول الضفة الشمالية لحوض المتوسط. ساركوزي مهتم بالجزائر حيث إنه يرى فيها حجر الزاوية في تجسيد المشروع.

وإذا كان الاتحاد المتوسطي يخدم بدرجة كبيرة مصالح فرنسا فماذا عن الجزائر وباقي الدول؟ وكيف يرى ساركوزي مشكلة الرعايا الجزائريين المقيمين في فرنسا بطريقة غير شرعية عندما يطردون ويعودون إلى بلادهم؟

ساركوزي يروج لسياسته التي تقوم أساسا على ضمان الأمن الطاقاوي الفرنسي، ولذلك فإنه جاء ليبرم عقدا ما بين «غاز دو فرانس» و«سوناطراك»، كما جاء ليسوّق سياسته المتعلقة بالاتحاد المتوسطي والتي تهدف في المقام الأول لوضع آليات لمحاربة الهجرة غير الشرعية من الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية للمتوسط.

وكذلك وضع آليات لإبعاد دول جنوب المتوسط من أي تفكير في الاندماج في الاتحاد الأوروبي. فساركوزي يحاول إقحام تركيا في الاتحاد المتوسطي للوقوف أمام انضمامها للاتحاد الأوروبي، كما يهدف إلى تجنيد دول الضفة الجنوبية من المتوسط لمساعدة دول الضفة الشمالية في حل مشكلاتها، خاصة تلك المتعلقة بالإرهاب والقضايا الأمنية والهجرة غير الشرعية.

لماذا الاتحاد المتوسطي وما هي أهداف ساركوزي من ورائه؟ من أهم أهداف هذا الاتحاد محاولة فرنسا استرجاع ما ضيّعته اقتصاديا في الضفة الجنوبية للمتوسط بعامة والمغرب العربي بخاصة، وهذا لصالح الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول جنوب شرق آسيا.

من خلال الاتحاد المتوسطي يحاول ساركوزي استرجاع مناطق نفوذ فرنسا في مجالها الجغرافي الطبيعي، خاصة وأن الاقتصاد الفرنسي يعاني من أزمات عديدة ومن ضعف الفعالية والمنافسة. ساركوزي يحاول كسب دول المنطقة لكنه يتمسك بالتعالي والكبرياء والوهم الاستعماري، الأمر الذي جعل فرنسا تخسر الكثير. ففرنسا خسرت الكثير بسبب قانون تجريم غير المعترفين ب«المذبحة الأرمينية»، ومع الجزائر من خلال «قانون 23 فبراير» الممجد للاستعمار.

من جهة أخرى يحاول ساركوزي الاستفادة من الفشل الذريع الذي أصاب مسار برشلونة في مهده، بسبب إصرار الطرف الأوروبي على ضم إسرائيل إليه. مشروع ساركوزي مهدد بالفشل قبل أن يرى النور لعدة اعتبارات من أهمها أنه يريد من الجيران «المتوسطيين» أنابيب النفط والحاويات ومجالات الأمن، أي المزيد من الأمن والطاقة والمال، أما الماضي والتاريخ فهذا أمر لا يهم المستقبل الذي يحاول ساركوزي بناءه. فالمحرك الرئيسي لمبادرة الاتحاد المتوسطي هو الإرهاب والهجرة السرية.

ساركوزي غادر الجزائر بدون نتائج ملموسة وهذا نتيجة لأحادية النظرة والرؤية من قبل الرئيس الفرنسي الجديد. فالشراكة «الاستثنائية» أو «الممتازة» التي يريدها تفتقد إلى مقترحات ومشاريع واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ والتجسيد في أرض الواقع. من جهة أخرى، ما زال ساركوزي يصّر ويؤكد على الرفض التام والمطلق لأي شكل من أشكال الاعتذار عن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر لمدة 132 سنة.

ساركوزي يريد تنظيم وترتيب مصالحه في الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث إنه يطالب بنسيان التاريخ والماضي والتركيز على المستقبل، من خلال معالجة ملفات كالأمن والإرهاب والهجرة غير الشرعية وضمان الأمن الطاقاوي الفرنسي. أما الطرف الآخر فيكتفي باستهلاك المنتجات الفرنسية والاستفادة في إطار محدود من الاستثمارات الفرنسية.

زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر شهدت التوقيع على اتفاقيتين، الأولى تخص إلغاء التأشيرات على حاملي جوازات السفر الدبلوماسية، والثانية تتعلق بإقامة جامعة جزائرية فرنسية. ساركوزي صرح: «لقد قدمت إلى الجزائر للمشاركة في إرساء تفاهم بين شعبين جمعهما تاريخ مضطرب ويتطلعان إلى التوجه بعزم نحو مستقبل أفضل».

لكن من جهة أخرى يصر الرئيس الفرنسي على أنه لم يأت للجزائر للاعتذار عن جرائم فرنسا الاستعمارية، وهذا يعني أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لم ولن تخرج عن إطارها المعهود، منذ استقلال الجزائر، وهو التوتر وعدم الفعالية المطلوبة لبلدين مرشحين بكل المقاييس للاستفادة من عامل القرب والمصالح المشتركة

والتكامل الاقتصادي ووجود جالية جزائرية كبيرة في الأراضي الفرنسية. فهناك نقطة سوداء في العلاقات الفرنسية الجزائرية يتوجب على الطرف الفرنسي التخلص منها بجرأة وشجاعة كما تفعل الدول الكبرى. ففرنسا التي تتغنى بحقوق الإنسان

والتي تطلب من الحكومات والدول التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية الاعتراف والتعويض، يجب أن تطبق هذا المبدأ على نفسها أولا وتعمل به. فكما جرّمت من لا يعترف بجرائم تركيا ضد الأرمن، يجب عليها أن تقدم اعتذاراتها لشعب عانى طيلة 132 سنة ويلات أبشع استعمار عرفته البشرية.

الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان أسوأ استعمار على الإطلاق عرفته البشرية عبر العصور والأزمنة. وهنا يجب الإشارة إلى أن فرنسا، على عكس الدول الاستعمارية الأخرى، لم تعرف كيف تدير علاقاتها مع مستعمراتها السابقة، والدليل على ذلك علاقاتها المتوترة مع العديد من الدول الإفريقية والمستعمرات السابقة، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الدول العظمى لتستغل هذا الضعف الفرنسي وتنتهز الفرصة لتسيطر على مناطق نفوذ فرنسا.

فالجزائر اليوم لم تبق سجينة دولة أو بضع دول في تعاملاتها الاقتصادية والتجارية كما أنها تتمتع بإمكانيات هائلة وبمشاريع بنيوية معتبرة تؤهلها للتعامل مع التوازنات الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية. وهذا يعني أن فرنسا مطالبة بمراجعة سياساتها إزاء الجزائر والمنطقة بما يخدم مصلحة الطرفين. فالاستمرار في الغطرسة والتعالي لا يخدم إلا مصالح الأميركيين والصينيين وغيرهم في المنطقة.

ففرنسا مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، أن تتحرر من مرجعية الوصايا التاريخية و«التعالي» والسلوك التقليدي الكلاسيكي في المنطقة، وأن تقوم بمبادرات تكون أكثر واقعية وبراغماتية في حساباتها الاستراتيجية واختياراتها السياسية والاقتصادية، لتكون مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع الشركاء في المنطقة.

أما مشروع الاتحاد المتوسطي فلن يكتب له النجاح إذا انحصر في موضوع الهجرة غير الشرعية والإرهاب والأمن والطاقة، حيث إن هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية بالنسبة لدول الضفة الجنوبية للمتوسط، ويجب وضعها في الحسبان ودراستها بجدية.

كلية الاتصال جامعة الشارقة