آخر التقليعات التي أبدعتها الذهنية الأميركية هي ما عرضه كتاب جديد من المفترض أن يصدر نهاية يوليو الجاري في الولايات المتحدة بعنوان «الأميركية.. الديانة الغربية العظمى الرابعة» للكاتب والباحث ديفيد جلرنتر وتنشره دار دبلداي ببلشينج.

ويطالب المؤلف والباحث بأن تكون «الأميركية» الديانة الرابعة في العالم، حيث يؤكد في بداية كتابه أن التيار العلماني يجتاح أميركا ولا بد من وقفه، وأن السبيل إلى ذلك هو التحول إلى البديل الوحيد ـ من وجهة نظره ـ للديانات الرئيسة الثلاث الموجودة على كوكب الأرض (الإسلام والمسيحية واليهودية)، والتي لم تنجح في وقف زحف العلمانية. البديل الوحيد الذي سيرضي الجميع، ولا يستطيع أحد رفضه ـ كما يزعم المؤلف ـ هو «الديانة الأميركية».

ويقول جلرنتر «هذا الدين الجديد ليس بسماوي، ولا يقف وراءه إله، ولكنه دين وضعي من صنع الأميركيين أنفسهم، استطاعوا تشكيله عبر تاريخهم، وأنه سبيل خلاصهم هم والعالم أجمع، من براثن العلمانية، التي تجتاح أميركا والعالم»

والكتاب يطرح «الدين الأميركي» المطلوب من الأميركيين والعالم اعتناقه ك«توليفة» من ثلاثية تنفرد بها أميركا وتمثل أعمدته الثلاثة الحرية والمساواة والديمقراطية، وهذه التوليفة تدعمها أفكار لاهوتية وتلمودية، ولكنها تبقى في الخلفية، ولا تمثل جوهر الدين الأميركي الجديد.

وهناك بعض الملاحظات التي تستوقفنا في الكتاب الذي قدم عرضاً له الزميل مجدي كامل أولها أن المؤلف لم يأت بجديد، وإنما أمسك بفكرة قديمة فشل البعض في الترويج لها، وراح يدخل عليها بعض التعديلات التي تواكب العصر، حتى «يسهل ابتلاعها».

فالمعروف أن بعض المفكرين والسياسيين الأميركيين، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كانوا قد انفعلوا ب«الدستور الأميركي» الذي فصل بين الدين والدولة، لدرجة أنهم أطلقوا عليه عبارة «الدين المدني الأميركي».

وما فعله المؤلف هنا ـ وبخبث ـ هو أنه أضفى نوعاً من الخلفية الدينية المسيحية واليهودية على هذا الدين المدني، ليجعل منه ديانة جديدة، ذات جذور قديمة تطورت ـ كما يقول في كتابه ـ حتى وصلت إلى ما ينادي به الآن!

يبدأ جلرنتر كتابه بطرح هذين السؤالين: «ماذا يعني الإيمان بأميركا؟. لماذا نحن الأميركيين نتحدث دائماً عن بلادنا، كأصحاب رسالة في العالم، أو كرسل للإنسانية لا يمكن أن يوجدوا في أية أمة أخرى غير أمتنا الأميركية».

ثم ينتقل جلرنتر بعد ذلك إلى التأكيد على أن أميركا لم تكن، ولا ينبغي الآن أن تكون دولة علمانية. ويحذر من تحول الأميركيين وبأعداد مخيفة إلى العلمانية، ويقول: «إن السبيل الوحيد لمواجهة هذه الظاهرة هو تحول الأميركيين، ومعهم العالم المنفعل بالنموذج الأميركي ـ بالتبعية ـ لديانة رابعة هي «الديانة الأميركية».

ويقول إن الهدف من كتابه هو وقف زحف العلمانية على المجتمع الأميركي، والتي أصبحت تضم كل يوم الآلاف من الأميركيين، الذين ينضمون إليها تاركين دينهم. و«الديانة الأميركية» هي الوسيلة الوحيدة لانتشالهم من براثن العلمانية. ويقول إن المسيحية لم تكن أبداً الدين الرسمي لأميركا ولن تكون!.

ويقول جلرنتر في نهاية كتابه إن الديانة الجديدة لها ثلاث ركائز أساسية هي الحرية والمساواة والديمقراطية، وعلى العالم أن يتخلى عن دياناته، التي لم تهتم بهذه الركائز الثلاث، واعتناق الديانة الرابعة وهي «الأميركية» التي تنفرد ب«توراتها الخاصة» وهي الوحيدة التي تلبي احتياجات الإنسان»

صحيح ان الأميركيين نجحوا في فرض رؤيتهم وأسلوب حياتهم على العالم بطريقة أو بأخرى وهم مبدعون حقا في الترويج لكل ما هو جديد لكن أن يصل الأمر إلى هذا المستوى من الضرب في جذور عقائد الآخرين ومحاولة الانقلاب عليها فهو ما يؤسف عليه حقاً.

ولكن بقليل من البحث في الحديقة الخلفية للمؤلف نجد انه في حد ذاته ظاهرة تثير الاشمئزاز أكثر مما تثير الغرابة والدهشة. هذا المؤلف عالم كمبيوتر ـ بروفيسور في علم الكمبيوتر في جامعة ييل الأميركية ـ وكبير علماء شركة ميرور وورلدز تكنولوجي. ومع ذلك فهو بحكم أصوله اليهودية شديد الارتباط بإسرائيل، وأحد المتحدثين باسمها في أميركا، وأحد المناوئين للعرب والمسلمين على طول الخط، وأحد المنتمين لتيار المحافظين الجدد في أميركا.. وي