في ظل التطورات المهمة التي قد تشهدها الساحة العراقية والإخفاق الكبير للإدارة الأميركية، وبدء ما يسمى مرحلة حسم الخيارات بشأن وضع الوحدات القتالية الأميركية في العراق، والتي من المرجح أن تؤدي إلى انتهاء الجدل القائم حاليا في أروقة واشنطن لصالح خفض القوات والبدء بانسحاب يجري تحديد حجمه وسياقه بشكل قد يأخذ طابع السرية.
تشهد المنطقة العربية تحركات دبلوماسية على أكثر من صعيد، بدءا من إعلان الإدارة الأميركية عقد «مؤتمر» دولي، مرورا باجتماع سان ـ كلو يومي 14 و15 يوليو في فرنسا الهادف إلى كسر الجمود في لبنان ومنع الاحتقان وضبط البلاد
ولملمتها استعدادا لمرحلة لاحقة تنضج خلالها الظروف الإقليمية والدولية، وصولا إلى الدعوة مؤخرا لاجتماع جديد بين الولايات المتحدة وإيران حول العراق، وفي الصورة أيضا تحركات دبلوماسية تشهدها المنطقة لتصحيح العلاقات العربية وطمأنة الأطراف المتعددة ذات الشأن.
شكل مؤتمر سان ـ كلو محطة رئيسية في هذه الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وعلى الرغم من أن سقف التوقعات من المؤتمر لم يكن مرتفعا أصلا في ظل التحفظ الأميركي واستمرار انسداد الأفق على الصعيد الإقليمي والدولي والداخلي، وبالرغم من أن الفرقاء اللبنانيين بدوا وكأنهم عادوا بخفي حنين .
حيث بقيت القضايا العالقة على ما هي عليه، بين أولوية حكومة وحدة وطنية بحسب مطلب المعارضة، واشتراط تأليف هذه الحكومة بضمانات مسبقة حول رئاسة الجمهورية من قبل الأكثرية النيابية، إلا أن أهمية المؤتمر تكمن في وجود مباركة إيرانية سعودية له، وفي كون الأصابع الأميركية ليست بعيدة عن رسم حدوده بالرغم من كل المعوقات التي ظهر أنها وضعتها في إسفينه.
وفي حين يرى المحللون أن حزب الله كان رابحا رئيسيا من انعقاد المؤتمر، حيث استطاع الحصول على اعتراف فرنسي به كقوة أساسية ونفي لصفة الإرهاب عنه وإقرار بموقعه في أي تعاط مستقبلي من قبل الاتحاد الأوروبي، بالأخص وأن التحرك الفرنسي لم يكن بعيدا عن الموافقة الأميركية.
يرى البعض الآخر أن زيارة هيرفيه موران وزير الدفاع الفرنسي إلى رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إنما تأتي في إطار طمأنة الحكومة اللبنانية وبتنسيق أميركي بأن دعم فرنسا للحوار لا يضعف موقع الحكومة ووقوف فرنسا المطلق معها.
خصوصا وأنه في إطار متابعة المؤتمر جاءت زيارة للسفير جان كلود كوسران إلى دمشق بعد أن كان ألغى زيارة مشابهة لها في يونيو الماضي واقتصر على زيارة طهران، مما يفتح طاقة في العلاقة مع سوريا. وكانت المبادرة الفرنسية التي توجت بزيارة كوسران لسوريا رافقها رسالة قبل أيام إلى هذه الأخيرة للتعاون في الساحة اللبنانية.
وتأتي هذه الدعوة في ظل كثرة القرارات الدولية التي تفصل بين البلدين والتي تشمل المحكمة الدولية وترسيم الحدود ومرور السلاح وغيرها، علما أن هناك كلاما عن توصية قريبة من الأمم المتحدة بشأن مزارع شبعا لوضعها تحت إدارة الأمم المتحدة المباشرة ريثما يتم الاتفاق بين لبنان وسوريا، كما أن تقرير براميرتس ينذر باتجاه زيادة الهوة بين البلدين.
وبحسب برنارد كوشنير، وزير الخارجية الفرنسي، يشكل المؤتمر شبكة أمان للبنان في المرحلة المقبلة بالغة الخطورة، لاسيما في حال عدم حصول انتخابات رئاسية والاتجاه إلى الفراغ الدستوري، وهو استحقاق أصبح قاب قوسين، في ظل انقسام حاد بين اللبنانيين وانتشار لظاهرة التسلح بينهم، وبروز مظاهر عدم الاستقرار في شماله من خلال معارك نهر البارد وفي جنوبه عبر التفجيرات المتلاحقة التي طالت قوات اليونيفل.
والواضح أن هذه المبادرة الفرنسية على تواضعها لم تكن لتجري لولا وجود ضوء أخضر أميركي. ويذكر أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس كان قد دعا إلى محاورة إيران والتوصل إلى تسوية معها على الرغم من مخاطرها النووية، كما عارض أي هجوم على سوريا التي اعتبرها مصدر تهديد ثانوي، وهو الأمر الذي رأى البعض بأنه يشير إلى تباعد مع التوجهات الإسرائيلية،
وهناك في إسرائيل اليوم من يدعو لبلورة خطة سياسية بتجديد المفاوضات العربية الإسرائيلية في ظل انسداد إمكانية خوض حرب إسرائيلية ودعوة الإدارة الأميركية لعقد مؤتمر دولي. ولعل في هذا ما يدعونا للتساؤل كيف سيخرج مؤتمر دولي حول الصراع العربي الإسرائيلي اليوم وحال الفلسطينيين أسوأ بكثير مما كان عليه من قبل؟