تفرض الظروف الاجتماعية والاقتصادية أطرها المعرفية على البشر المعايشين لها، وغالباً ما يبني البشر تصوراتهم وأفكارهم من وحي هذه الظروف والأوضاع. وبالطبع تتفاوت الشعوب فيما بينها في كيفية التعامل مع هذه الظروف والأوضاع المختلفة وبناء التصورات والأطر المعرفية عنها.

فالشعوب القديمة تتسم بإدراك معقد أكثر تركيباً وتشابكاً من الشعوب الحديثة، كما أن الأمم التي واجهت الكثير من محن الزمن تختلف عن تلك التي لم تعارك من الحياة سوى بعض الفترات التاريخية المحدودة.

وتتفاوت درجة معاركة هذه الأوضاع من شعب لآخر ومن مجتمع لآخر؛ فبعض الشعوب تتسم بالثورية المفرطة إلى الحد الذي لا نرى فيه هذه الشعوب وهذه الأمم إلا وهي في حالة صراع وتذمر وانفلات، بينما البعض الآخر يتسم بدرجة مفرطة من الخنوع والانصياع والاندماج.

وعلى كل الأحوال فلا توجد شعوب تعيش كل لحظة من لحظات حياتها في ثورة دائمة كما لا توجد شعوب تعيش كل لحظاتها أيضاً في خنوع كامل. فلكل شعب درجة ما من درجات التفاعل مع الواقع المعيش، حتى ولو اتسم هذا الشعب بالثبات والاستقرار. ومن أبرز أدوات التفاعل مع الواقع المعيش استخدام النكتة وخفة الظل، حيث يمثلان أبرز آليات التفاعل التي لا تسبب مشكلات مع السلطات السياسية، وربما يمكن تجاوزها في معظم الأحيان.

وفي هذا السياق، تمثل النكتة بالنسبة للمصريين آلية تاريخية من آليات نقدهم للواقع المعيش من ناحية، وآليات التفاعل معه من ناحية أخرى. وسواء أكانت النكتة تصب في خانة المواجهة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية فإنها تهدف إلى إثارة الواقع المعيش، حتى من خلال الضحك والتندر عليه، والذي يشمل في أحيان كثيرة من يطلقون النكتة ذاتهم ويسعون إلى ترويجها ونشرها.

ومن أكثر النكات أو الصياغات التي يطلقها المصريون الآن وتثير قضية على درجة كبيرة من الأهمية أن «الجنيه غلب الكارنيه». وفي كلمة فإن هذه الصياغة تعني أن المال أهم من الواسطة والتوصية؛ فبالمال يمكن للمرء أن ينجز أعماله، ولا ينتظر نفوذاً من هذا ولا توصية من ذاك.

وبعيداً عن واقع المصريين، ومدى ارتباط هذا التصور بواقعهم المعيش، فإن هذا التصور يحيل إلى العديد من الدول في كافة أرجاء العالم، بما فيها الدول العربية، والمدى الذي يتداخل فيه النفوذ مع الثروة، ومن منهما أكثر أهمية وسطوة وتحقيقاً للمآرب والمصالح الشخصية.

ورغم أهمية النفوذ والتوصية والمكانات المجتمعية في الكثير من الدول العربية، فإن حال التغيرات البنيوية الهائلة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أهمية الثروة والمال في صناعة النفوذ والقوة. ورغم سيادة النفوذ والسلطة في أوقات تاريخية كثيرة في العديد من الدول العربية، وبشكلٍ خاص في مرحلة ما بعد الاستقلال، فإن الواقع المعيش قد تحول وانتقل بدرجة غير مسبوقة نحو سيادة الثروة وهيمنتها على كافة مقدرات الواقع وتحولاته المختلفة.

وربما ساعدت تحولات العولمة وقيمها الاستهلاكية الواسعة النطاق، وتحرير السياسات الاقتصادية في الكثير من دول العالم على سيادة النفوذ الذي تتمتع به الثروات وعلى قدرتها على تحقيق أي شيء يمكن تخيله ولا يمكن تخيله في الوقت نفسه.

ولا تنبع هيمنة الجنيه على كارت التوصية أو الكارنيه، كما يقول المصريون، من فراغ أو من ضعف مكانة التوصية أو الكارنيه، لكنه ينبع من واقع عملي يرتبط بسرعة قضاء المصلحة من ناحية، وانتشار مسألة التوصيات بدرجة كبيرة وغير مسبوقة بما يجعل معظم الناس يستطيعون الحصول عليها من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق يمكننا أن نضرب مثلاً بالعديد من العملاء الذي يذهبون لإحدى المؤسسات الرسمية من أجل قضاء مصلحة ما وكل منهم يحمل توصية من شخص ما، بينما يدخل أحد العملاء معتمداً على حافظة نقوده في قضاء مصلحته، في غالب الأمر أن الأخير هو من يستطيع قضاء مصلحته وإنجاز حاجته بسهولة ويسر مقارنة بالآخرين.

فما الفائدة المباشرة التي سوف تعود على الموظف الذي يقضي حاجة العملاء هنا من حملة كروت التوصية؟ ربما توجد فائدة ما، لكنها في هذا الإطار فائدة مؤجلة. في المقابل فإن ما يحصل عليه ماديا هو فائدة حقيقية وواقعية وفعلية وآنية.

لا يعني ما سبق أننا نؤيد استعمال الجنيه بديلاً عن كروت التوصية، أو كروت التوصية بديلاً عن الجنيه، بقدر ما نحاول توصيف آليات تحولات القوة، وطبيعة استخدامها، والجوانب المرتبطة بها. فاستخدام الجنيه أو استخدام الكارنيه، لم يكن ليتم لولا موضوعات اجتماعية وسياسية تشيع استخدام الرشاوى والمجاملات والتوصيات في قضاء حاجات البشر اليومية.

لكن الشيء اللافت للنظر هنا أنه، وبسبب الإفراط في استخدام كروت التوصية فإنها أصبحت لا تجدي نفعاً، حيث أصبح الكثيرون يفضلون الحصول على الجنيه بديلاً عن الارتكاز إلى سطوة فلان أو نفوذ علان. أغلب الظن أن العلاقة بين الجنيه والكارنيه سوف تستمر ولن تنفصل عراها.

صحيح أنها سوف تميل في معظم الأحيان نحو الجنيه، لكن ذلك لا يعني في نهاية الأمر انتهاء عصر الكارنيه. ففي ظل الضغوط الاقتصادية الحادة يتحول البشر يوماً بعد يوم إلى الجنيه والعلاقات المباشرة المرتبطة به والمصالح الآنية الوقتية. وهو الأمر الذي يعكس درجة هائلة من التفكك المجتمعي الشديد الذي يحيل كافة علاقات البشر إلى اكتساب شكل الجنيه وقيمته وأهميته تحقيقاً للمبدأ القائل «إللي معاه قرش يساوي قرش».

إن خطورة شيوع ثقافة الجنيه وتقييم البشر بالقرش أنها تفرض حالة من السعار المادي تتحول بموجبها كافة العلاقات الاجتماعية إلى مقايضات غير مشروعة، وتعاملات غير قانونية. واللافت للنظر هنا أن هذا الانتشار الواسع المدى لتلك المعاملات يصبح هو القانون الرسمي الحاكم، حيث ينتفي تجريمه ويكتسب قدراً من المشروعية والمقبولية المجتمعية، ولعل ذلك يفسر المدى الهائل الذي انتهى إليه الكارنيه، والمستوى الحاكم المهيمن لعصر الجنيه.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com