مسؤوليات الشعب المصري التاريخية والقومية تجاه شقيقه الشعب الفلسطيني النابعة من التزاماته الأمنية الوطنية وروابطه القومية العربية وقيمه الدينية الإسلامية والمسيحية، لا يمكن أن تكون محل تساؤل.. لكن المشهد المأساوي اللاوطني واللاعربي واللاإنساني لمعاناة المواطنين الفلسطينيين العالقين بالآلاف على معبر رفح، لا يطرح العديد من التساؤلات فقط، بل يثير الكثير من الآلام ويهدد بالعديد من التداعيات أيضاً.
فهل يمكن لأي إنسان مصري أو عربي أو أوروبي أن يعقل أو يقبل استمرار هذا المشهد المأساوي اللاإنساني على الحدود المصرية الفلسطينية المغلقة بطلب من السلطة الصهيونية الإسرائيلية، وبقبول من السلطة «الوطنية» الفلسطينية، وبتواطؤ من حراس حقوق الإنسان الأوروبيين الذين لا يعنيهم أن يسقط العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين المحاصرين بغير مأوى، موتى بغير قبور أو مرضى بغير دواء أو جوعى بغير غذاء؟!!
وماذا ستفعل الحكومة المصرية مع السلطة الفلسطينية والسلطة الصهيونية لحل هذه المأساة القائمة فوق أراضيها، والتي تشكل اختبارا لحكمتها وقدرتها على ممارسة سيادتها الوطنية وأداء مسؤوليتها العربية في الوفاء بالتزاماتها الإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني لمنع وقوع الكارثة الأكبر، والتي يجب أن تعلو على التزاماتها القانونية في اتفاق المعبر تجاه السلطة الصهيونية التي جلبت الكارثة بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية؟
وما قيمة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وتل أبيب، وما جدوى اللقاءات الثلاثية والثنائية مع «إيهود أولمرت» رئيس السلطة الصهيونية و«محمود عباس» رئيس السلطة الفلسطينية في «شرم الشيخ» بجنوب سيناء المصرية، إذا لم تمنع المشاكل والمآسي لجزء من الشعب الفلسطيني في «العريش» بشمال سيناء المصرية عقابا للحكومة الفلسطينية «المقالة» في غزة، بما يضع الحكومة المصرية في هذا المأزق الصعب بين مسؤولياتها الإنسانية والتزاماتها القانونية؟
وهل يمكن أن يكون الهدف من هذا الموقف اللاإنساني الضيق الأفق والقصير النظر هو إحراج مصر والإساءة إلى دورها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، ردا على موقفها المتوازن الذي جاء على لسان الرئيس مبارك، والذي فاجأ تل أبيب ورام الله وقطع الطريق على أصوات وأقلام مشبوهة أرادت الاصطياد في الماء العكر في أعقاب الأحداث المؤسفة الأخيرة في غزة؟
إن إعلان القاهرة بأنها لا تستطيع تجاوز اتفاق «المعابر» لعام 2005 في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، الذي ينص على أن يتولى إدارة المعبر من الجانب الفلسطيني مراقبون أوروبيون بمساعدة فلسطينيين تعينهم السلطة، لا يعني أن مصر يمكن أن تقبل استمرار المعاناة لأشقاء من الشعب الفلسطيني على أراضيها دون فعل حاسم، كما لا يمكن لها أن تقف موقف المتفرج على هذه المأساة الإنسانية، أو أنها بما لها من وزن إقليمي وعلاقات وثيقة بالأطراف، لن تستطيع إيجاد الحلول لوقف تفاقم تلك المأساة.
إننا على ثقة بأن مصر لن تسمح للجدل القانوني حول ضرورة فتح معبر رفح الواقع على الحدود المصرية الفلسطينية أن يؤدي إلى تفاقم هذه المأساة الإنسانية، حيث ان إسرائيل التي طلبت سحب المراقبين الأوروبيين، لا يجب أن تكون طرفا في مسألة حدودية مصرية فلسطينية ليست على حدودها بعد أن انسحبت من غزة، وإلا كان ذلك إقرارا باستمرار احتلالها لهذا القطاع.
كما أن الجامعة العربية مطالبة بدور فاعل وان تتوجه للاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية للمساهمة في الوصول إلى حل ممكن يحفظ الكرامة العربية ويحمي الشعب الفلسطيني من تعسف سلطات الاحتلال الصهيوني، ويدرأ عنا مشاعر الألم والخجل.
ويبقى السؤال المحير.. أين منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية والأوروبية ومنظمة العفو الدولية التي تتفرج على هذه المأساة الإنسانية المهينة
ففي أي عالم نحن.. في عالم بلا عقل أم بلا قلب أم بلا ضمير؟!!