بعد إعلان السلطات المصرية في الآونة الأخيرة عن اعتقال خلية تنتمي إلى تنظيم القاعدة بات من الواضح أن الوضع الذي آلت إليه الحركة الإسلامية الراديكالية في مصر يمهد لظهور تنظيمات صغيرة، لا يروق لها ما أقدمت عليه «الجماعة الإسلامية» من مراجعات وما انتهى إليه تنظيم الجهاد من تشتت.

وفي الوقت ذاته لا ترضى بالنهج السلمي أو «الدعوي» الذي اقتنعت به جماعة «الإخوان المسلمين»، ولا يكفيها التوجه الديني الصرف الذي يصبغ عمل جماعة «التبليغ والدعوة» وبعض الجماعات السلفية، ولا تقبل الانكفائية التي تعيشها الطرق الصوفية.

وهذه الجماعات ستأخذ مسارين، الأول هو أن تبقى خلايا محلية صغيرة ومعزولة ترمي إلى ممارسة العنف على نطاق محدد، والثاني هو التحاق هذه الخلايا بالقاعدة، إن لم يكن على مستوى التنظيم، فعلى الأقل على مستوى التفكير والاستراتيجية العامة.

ومما يزيد من احتمال ظهور هذه الخلايا الصغيرة اشتداد القبضة الأمنية المحلية ووجود تعاون أمني أممي في إطار ما ترتب على حدث 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة، بما لا يسمح بوجود تنظيمات كبيرة، تنتشر جغرافيا لتشمل القطر المصري بأكمله تقريبا، أو جزءا كبيرا منه، مثل ما هو الحال بالنسبة للجماعة الإسلامية والجهاد.

فالتنظيمات والجماعات الكبيرة يسهل تعقبها، خاصة إذا لم تأخذ الشكل «العنقودي» على غرار تنظيم الجهاد، أو آثرت أن يظل جزء من نشاطها طافيا فوق السطح أو علنيا، كما تفعل الجماعة الإسلامية. أما التنظيمات الصغيرة، التي تتكون حول قيادة صغيرة في منطقة محدودة وترسم أهدافا بسيطة لوجودها،

فيصعب على رجال الأمن نسبيا اكتشافها، خاصة إذا برعت هذه التنظيمات في أدائها السري وامتلكت قدرة على المراوغة وتضليل أجهزة الأمن وبناء حالة من التوافق الظاهري مع المحيط الاجتماعي الضيق، لا يؤدي إلى استعداء الناس.

كما أن الهزة الكبيرة التي أحدثها تراجع «الجماعة الإسلامية» عن أفكارها، وهو ما عبرت عنه الكتيبات االستة التي أصدرها القادة التاريخيون للجماعة تحت مسمى «سلسلة تصحيح المفاهيم»، أوجدت حالة من السيولة في صفوف الشباب النازعين إلى الانتماء إلى الحركة الإسلامية الراديكالية،

والذين كان بوسعهم في الماضي أن ينخرطوا في صفوف الجماعة الإسلامية أو الجهاد دون مواربة، مستندين إلى ما حققته الجماعتان من تواجد اجتماعي وما يحكم نشاطهما من إطار فكري أو فقهي وما لهما من أهداف شاملة ومقاصد بعيدة المدى وما لديهما من قدرة على تجنيد الأتباع.

ومثل هذه «السيولة» قد تقود إلى انشقاقات داخل صفوف الجماعتين، من المتوقع أن تحدث في سرية تامة، بما يقي المنشقين من الملاحقة الأمنية اليقظة. ومن الممكن أن تنتهي هذه الانشقاقات إلى «جيوب» صغيرة داخل الحركة الإسلامية الراديكالية.

ولا يجب هنا أن نغفل إمكانية أن يحاول قادة التنظيمات الإسلامية الهامشية السابقة ـ والتي وصل عددها في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم إلى سبعين تنظيما ـ عقب خروجهم من السجن إعادة إنتاج مثل هذه التنظيمات مع الأخذ في الاعتبار ما استجد من ظروف، مستغلين حالة السيولة هذه، التي تسمح للبعض بأن يقدم نفسه في ثوب «القائد الحركي» بعد تراجع أدوار ومكانة القادة التقليديين للحركة.

ويبرز عامل آخر قد يرجح تنامي ظاهرة التنظيمات الهامشية يرتبط بمسألة التمويل. ففيما سبق كان يمكن لـ «الجماعة الإسلامية» و«الجهاد» أن يتلقيا دعما ماليا ملموسا من الخارج، سواء من قبل أفراد تابعين لهما أو متعاطفين معهما أو جماعات نظيرة أو مؤسسات تمارس نشاطها تحت مسمى أعمال خيرية أو سلوك ذي طابع تراحمي، أو حتى دول كانت تريد النيل من النظام المصري أو تمهيد الأرض المصرية لأممية إسلامية.

أما في الوقت الراهن، ومع الجهد المحموم الذي تقوم به الولايات المتحدة في تضييق الخناق على روافد تمويل الجماعات الراديكالية الإسلامية، فمن الصعب على أي جماعة أن تتلقى دعما خارجيا يساعدها على تحقيق أهدافها، ومنها الانتشار الجغرافي وتقوية الشوكة في مواجهة الدولة وتدبير عمليات ضد السلطة والمجتمع،

ومن ثم لم يعد أمام الأفراد من «الراديكاليين الإسلاميين» سوى الالتفاف حول قيادات محلية، من الأفضل ألا تكون معروفة لدى الأجهزة الأمنية، لتكوين تنظيمات صغيرة، تعمل تحت الأرض، قد يسعى بعضها إلى الانضواء تحت لواء القاعدة، أو يحاول الأخير أن يجذبها إليه.

وعموما فإن مستقبل هذه التنظيمات والجماعات الصغيرة لا يخرج عن عدة احتمالات، فبعضها قد يموت تحت وطأة القبضة الأمنية التي لا تسمح لأحد بأن يمارس نشاطا محظورا بحكم القانون من جهة، وتأخر تحقق الأهداف وظهور نزاعات داخلية بين أعضائها حول التكتيكات والأفكار، من جهة ثانية.

وبعضها قد يتحلى بالصبر انتظارا للحظة التمكن، فيضفي على نشاطه طابعا صارما من السرية ويؤجل أي مواجهة مع المجتمع أو الدولة، فإذا خرج عن صمته ودخل في مواجهة فإن نصيبه لن يكون أبدا أحسن حالا من الجماعات والتنظيمات الراديكالية التي سبقته على هذا الدرب.

والبعض الثالث سيسقط سريعا في أيدي رجال الأمن، ومن ثم ينقضي وجوده تقريبا بدخول أعضائه أو أهم الأشخاص الضالعين في تكوينه إلى السجن، بينما ستحاول فئة رابعة أن تنسج، على مهل وبحذر شديد، شبكة من العلاقات من تنظيمات إسلامية راديكالية خارجية،

خاصة في ظل وجود ما يعرف بظاهرة «إسلاميو الخارج»، والتي شكلت في السنوات الأخيرة تحديا كبيرا للنظام السياسي المصري. وفي المقابل قد تحاول فئات أخرى أن تستقطب بعض العناصر التابعة للتنظيمات الكبرى، مثل الجماعة الإسلامية والجهاد، مستغلة الظروف التي تمر بها هاتان الجماعتان، بحثا عن تمدد اجتماعي وانتشار جغرافي.

وفي سبيل إغلاق الباب أمام قيام تنظيمات إسلامية راديكالية هامشية، يجب أن يكون لدى السلطات المصرية اقتناع تام بأن الأسلوب الأمني في مواجهة الحركة الإسلامية لن ينجح في وقف خطرها إذا مضت في طريق العنف، فهناك استحقاقات سياسية مرتبطة باستيعاب «الإسلاميين» داخل التعددية السياسية، وأخرى اقتصادية ـ اجتماعية تتعلق بعدالة التوزيع ومحاربة الفساد والقيم السلبية التي تستعدي من ينضوون تحت لواء الحركة الإسلامية،

وهناك استحقاقات بعيدة المدى تتمثل في وجود نظام تعليمي وثقافي يعلي من شأن التفكير العلمي والعقلانية، من دون الإجحاف بما يفرضه الدين من التزامات عقدية وأخلاقية، أي تعميق فهم الدين بالتركيز على وسطيته واعتداله. أما التعامل مع هذه التنظيمات على أنها مجرد فلول لحركة مهزومة فهو الخطأ بعينه،

لأنه سيجعل الخيار الأمني فقط هو المطروح، بما قد يرشح مصر لحقبة أخرى من أعمال العنف والإرهاب. ويكمن وجه الخطأ هذا في أن الحركة الإسلامية، وكما أثبتت التجارب التاريخية، قادرة على الاستمرارية رغم قمعها ماديا ومعنويا، حتى وإن كان هذا في إطار حال من الكمون،

أو تغيير بعض التكتيكات العملية، من أجل تفادي الصدام مع السلطة. فهي في هذه الناحية لا تفتقد أحيانا التحايل الذي يضع بصماتها على العديد من أوجه السلوك الجماعي والفردي في مصر، وتزيد على ذلك بتجهيز المبررات الشرعية نهلا من فضاء مفتوح يتيحه النص القرآني والسنة النبوية.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة