كانت سلسلة من المؤتمرات أولها في مدريد بشكل معلن، ثم تحولت إلى السرية لتظهر إلى العلن فيما عرف باتفاق أوسلو الذي كان حجر الأساس الذي مهد لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، لتتوالى اللقاءات التي فشلت في إرساء السلام بمنطقة لم تعرف الهدوء منذ وعد بلفور سنة 1917م.

ومن كثرتها وقلة نتائجها، أصبحت مؤتمرات السلام الخاصة بالشرق الأوسط حدثا روتينيا لا يثير ترقبا من أية جهة، بل إن نتائج أي مؤتمر أصبحت متوقعة ومعروفة قياسا على نتائج المؤتمر الذي سبقه، باستثناء مؤتمر مدريد الذي استقطب اهتماما ربما بسبب كونه جديدا في تلك الفترة، أما ما تلا ذلك من مؤتمرات فكانت أشبه بجلسات كلامية تنتهي باتفاقات لا ترى النور.

عدم تنفيذ هذه الاتفاقات يعود لقوة الطرف الإسرائيلي المستفيد وضعف الطرف الفلسطيني المتضرر، ومادامت لا توجد قوة ترغم إسرائيل على الالتزام بتعهداتها تبقى مقررات تلك المؤتمرات حبرا على ورق، بل إن الانحياز الأميركي لإسرائيل يعد سببا رئيسيا في بقاء نتائج المؤتمرات حبيسة الأدراج.

وحتى تزيح واشنطن بعض الحرج من انحيازها الدائم لإسرائيل وتظهر ما تقول إنه عمل جاد منها لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، أطلق الرئيس الأميركي جورج بوش يوم الإثنين الماضي دعوة لمؤتمر سلام في الشرق الأوسط في الخريف المقبل.

ومن باب توقع النتائج، قطع البيت الأبيض كل الطرق على كل من يفكر في مطالبة واشنطن بأداء دور متوازن في المنطقة، وذلك بإعلان توني سنو المتحدث باسم البيت الأبيض، أن الأمر لا يتعلق «بمؤتمر كبير للسلام». بل «اجتماع للجلوس ومحاولة التوصل إلى سبل إقامة مؤسسات أساسية للفلسطينيين تتيح لهم إدارة شؤونهم بأنفسهم والحصول على الديمقراطية».

أي أن الإدارة الأميركية واجهت الترحيب العربي والدولي بالمؤتمر بتراجع وتملص واضحين، عندما اختصرت دعوة المؤتمر إلى مجرد اجتماع، فلماذا إذاً تطلب الأمر أن يكون إعلانا من الرئيس جورج بوش نفسه، إذا كان الأمر يتعلق بمجرد «اجتماع» كما وصفه المتحدث باسم البيت الأبيض؟

واختيار الخريف المقبل لمثل هذا «الاجتماع» يصادف موعد التقرير الذي سيقدمه قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بيتريوس والذي سيقيِّم خطة زيادة عدد القوات الأميركية واستراتيجية الرئيس بوش في العراق، مما يبين أن البيت الأبيض يسعى لصناعة حدث موازٍ يخفف من شدة الأضواء التي ستُسَلط عليه عشية عرض تقرير بيتريوس.

إذاً أفصحت إدارة بوش عن نتيجة مسبقة مفادها عدم توقع أي شيء من «اجتماع الخريف»، وهذا حتى تسكت كل الأصوات التي «قد» تلومها على عدم إنجاز أي شيء، ويكون الرد الأميركي واضحا وهو أن البيت الأبيض سبق أن دعا إلى عدم تعليق آمال عريضة على اقتراح الرئيس بوش بعقد مؤتمر السلام هذا.

وفي الحقيقة، هذه نتيجة مؤلمة عندما يتضح أن جعبة الإدارة أصبحت خالية من أي مبادرة يمكن أن تحرك عربة السلام المتوقفة، لأن واشنطن عندما تستبق الأحداث بهذه الطريقة فهي تفرغ دورها من محتواه لتختطفه أيدٍ متطرفة لا تنتظر سوى انتهاء صلاحية مشاريع السلام.