الكل يتحدث عن دور الصحافة في البحث عن الحقيقة وتسليط الضوء على القضايا في المجتمع. ولا يختلف أحدنا حول أن الإعلام مرآة المجتمع في مختلف أحواله، وبالتالي نتفق جميعاً على أن الصحافة المحلية بحاجة إلى قطع خطوات نوعية إلى الأمام كي تستطيع متابعة مسيرة المجتمع بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية. وهو الذي لا يمكن أن يحدث إذا لم يكن اعتمادنا على المهنيين والصحافيين المتواجدين في الميدان، وهنا تكمن المشكلة!
ما نلاحظه على بعض المؤسسات الإعلامية في الدولة أنها تحولت إلى بيئة طاردة لأصحاب الخبرة والمهنيين، وإذا سألت أياً منهم عن الأسباب تجد أن ضعف الرواتب وثباتها على حالها منذ سنوات دون تغيير يطرأ عليها، وغياب الحوافز هي الأسباب الأولى والرئيسية التي تجعلهم يبحثون عن فرص عمل أخرى خارج هذه المؤسسات.
فتكاليف المعيشة المرتفعة وفرص العمل الأخرى التي يُجزل فيها للموظفين لا تترك لهؤلاء المهنيين خياراً آخر غير الالتحاق بها، حتى وإن كانوا يكنون لمؤسساتهم التي يعملون فيها كثيراً من الاحترام والتقدير والولاء، والنتيجة تكون في خسارة كوادر مهنية نحن بأمس الحاجة إليها لتطور الصحافة المحلية المكتوبة. الأمر الذي يجعلنا نشعر بقلق على مستقبل الصحافة المحلية التي قد يتراجع أداؤها ودورها مستقبلاً بسبب الكادر المهني الذي تخسره أو تبقيه بين جدرانها محبطاً غير قادر على العمل بحرفية ترفع من مستوى المؤسسة التي يعمل فيها.
الصحافيون المواطنون سيبحثون عن فرص عمل أفضل في مؤسسات إعلامية وغير إعلامية في الوقت الذي نطالب فيه بالتوطين في المؤسسات الإعلامية المحلية. أما بعض إخواننا العرب المهنيين الذين قضوا سنوات طويلة في مؤسسات لم تقدم لهم الكثير من الحوافز فربما يصمدون لفترة من الزمن لا نعتقد أنها ستطول فيما لو ظلت رواتبهم على ما هي عليه، وفيما لو غابت عنهم الحوافز الأخرى سنوات أخرى يجدون الانتظار فيها غير مجد.
وهذا السيناريو ينتقل بنا إلى تساؤل آخر: إذا كنا ننتقد اليوم تقصير بعض الصحف المحلية وعدم قدرتها على تلبية حاجة المجتمع المحلي، فكيف سيكون الحال بعد سنوات عندما نجد هذه المؤسسات الإعلامية خاوية على عروشها من المهنيين أو ملأى بالمحبطين منهم؟
لا نبالغ في حديثنا عن الإحباط المادي والمعنوي الذي يعاني منه بعض الصحافيين في بعض المؤسسات. ولا نبالغ إن قلنا إن أصحاب الخبرة أصبحوا يغبطون خريجين وخريجات يتقاضون أحياناً ما يفوق رواتبهم وامتيازاتهم. ولا نبالغ إن قلنا إن واقع الصحافة المحلية يثبت أننا في طريقنا لخسارة صحافيين ومهنيين بسبب رواتب وحوافز قد ندفعها لآخرين نأتي بهم بعقود خارجية رغم أنهم لا يضيفون شيئاً أكثر من الموجودين.
ولا نبالغ إن قلنا إن الإحباط الذي يشعر به الصحافيون بسبب الرواتب والحوافز الضعيفة يذكرنا بقيمة الصحافي في الدول العربية التي لا تضاهي قيمة زميله في دول أخرى متقدمة، تحترم مهنته وتقدرها فتقدم له كل الحوافز والإمكانات ليؤدي رسالته نحو المجتمع باقتدار.
إذا كان بعض المسؤولين الإعلاميين والقراء يعتقد أننا نبالغ فيما نقول، فليجروا استبياناً أو استطلاعاً للرأي ليقيسوا مستوى الرضا الوظيفي في المؤسسات الصحافية، وعندها سيتضح لهم إن كنا نبالغ أم محقين فيما نقول ونسعى للحفاظ على مكتسبات في الصحافة لا نريد أن نخسرها بأيدينا لا بأيدي غيرنا.
