بنهاية عقد الستينات، وعلى أبواب تاريخ جديد في تلك الحقبة، كانت الإمارات ليست بعيدة عن مخاطر خلل التوازن السكاني، فحسب الإحصائيات المتوافرة في تلك الفترة، فإن نسبة مواطني الإمارات إلى غير المواطنين كانت في حدود ال70%، أما نسبة ال30% فكانت خليطاً من الآسيويين والإنجليز والجاليات العربية، وليت الأمر توقف عند تلك النسبة.. إلا أننا نتحدث اليوم وللأسف الشديد عن نسبة سكان أصليين لا تزيد على ال15%، وهذه كارثة حقيقية حذر منها الكثيرون وتحدثوا بالتفصيل في آثارها وانعكاساتها الاجتماعية والأمنية والثقافية وحتى السياسية.
لدى الإماراتيين اليوم قناعة شديدة بأمرين، أولهما حالة الإحساس الضاغط بكونهم أقلية في بلادهم وبأن هذه الحقيقة غالباً ما تعرضهم لمواقف شديدة الوطأة ومرفوضة، كما تضعهم في مقايضات لا يحسدون عليها وتسلب منهم الكثير من الامتيازات التي تمتعوا بها طويلاً، كونهم مواطنين في بلد يمتاز بغناه وأمنه وثرواته وفرصه الكبيرة.
أما الأمر الثاني فيتعلق بإقرارهم بالحاجة إلى أعداد كبيرة من العمالة الخارجية على جميع مستوياتها العلمية والمهارية، ذلك أن قلة العدد والذهنية القبلية وطبيعة الثقافة الاجتماعية تحول دون انخراط الإماراتيين في العديد من المهن التي يحتاجها المجتمع بشكل ماس، فهذا المجتمع يحتاج المهندس والطبيب والتاجر والإعلامي والمعلم ومبرمج الكمبيوتر.
ويحتاج أيضاً وبشدة لعامل البناء وعامل النظافة والطهاة وموظفي الاستقبال والسائق والمزارع والخياط ومراقب البلدية ومفتش الصحة والممرض و... وهنا فإن المطالبة بمعالجة خلل التركيبة يحتاج إلى الموضوعية الشديدة، لا إلى الوجدانيات والعواطف الجياشة.
إن تشكيل لجنة وطنية على أرفع مستوى للتصدي لملف التركيبة السكانية في هذه المرحلة ليس متأخراً، كما قد ينظر إليه البعض، فالإعلام ما زال يكتب، وما دامت القضية بكل اشكالياتها مطروحة للنقاش فالوقت ما زال في أيدينا، حتى وإن باتت الأمور أكثر تعقيداً منها قبل عشرة أو عشرين عاماً، فما زال هناك ما يمكن انقاذه خاصة بعد أن بدأت الآثار الأمنية والاقتصادية والثقافية للعمالة ولخلل التركيبة تتفاقم ويتزايد شررها في كل مكان!
إن المهمة التي تتصدى لها هذه اللجنة شاقة وليست بالهينة أبداً نظراً للحجم الهائل المتراكم في سجل هذا الملف، لكن الإصرار والمتابعة سيثمران عن نتائج حقيقية إذا ما وضعت استراتيجية صارمة في اتجاه الحلول والمخارج والقوانين، خاصة قوانين الهجرة والجنسية والإقامة والتجنيس، ويكفي ما نعانيه من أزمة العمالة المخالفة التي تبذل الحكومة جهوداً مضنية وأموالاً باهظة وتوجهاً متسامحاً لتسوية مشاكلها، إلا أن الاستجابة ليست بقدر المتوقع والأسباب معروفة، فإغراءات البقاء لا يمكن مقاومتها أبداً.
