التأثير المتبادل في علاقة الكل العربي بالجزء العربي وبالعكس سلبا أو إيجابا، حقيقة تثبتها الأيام والأحداث التي شهدتها الأمة العربية سواء في انتصاراتها أو في هزائمها وفي ما حققته من إنجازات وما يمر بها من أزمات، وعندما يتحقق التوافق العربي يؤثر إيجابيا على التوافق الوطنى في كل بلد عربى وبالعكس، وفي نفس الوقت فإن التوافق العربي يتأثر سلبا حينما يصاب وطن عربى بأزمة توافق وطني.
فلولا التوافق العربي الذي تحقق قبل حرب رمضان المجيدة عام 73 حول ضرورة القتال بعد استنفاد فرص الحلول السلمية لتحرير الأرض العربية التي احتلت عام 67 ،ما تحقق زلزال النصر العسكري على الجبهتين المصرية والسورية، ولولا غياب هذا التوافق بعد الحرب مباشرة لما وقع ماوقع من خلافات أدت إلى أداء سياسى أقل من مستوى الأداء العسكري وحرم العرب من استثمار أفضل لنتائج تلك الحرب.
ولولا غياب التوافق العربي الذي خيم على العلاقات العربية العربية قبل عام 67 بفعل المواجهة السياسية بين النظم الثورية والمحافظة ووصل بها إلى حد المواجهة العسكرية، لما وقع ماوقع من هزيمة عسكرية أصابت في الصميم كل العرب الثوريين منهم والمحافظين، ولولا استعادة العرب لهذا التوافق في قمة الخرطوم في نفس العام لما أمكن لجبهات القتال المصرية والسورية والأردنية أن تصمد وتتحدى الهزيمة وتعيد بناء جيوشها وتحقق الانتصارالعسكرى في حرب رمضان.
إن هذا يؤكد أن التوافق السياسى القومى شرط لابديل عنه للنصر في معاركنا القومية مع أعداء الأمة العربية، مثلما يؤكد أن التوافق السياسى الوطنى هو شرط لازم لمنع وقوع الانقسامات الوطنية بما يسمح للأطراف الخارجية بالتدخلات السياسية وتحويل الوطن المنقسم على نفسه إلى ساحة للمواجهات الإقليمية والدولية الدافعة بالفتنة إلى الوقوع في مخاطر الحروب الأهلية بما يحقق للدول المعادية أهدافها الخبيثة بأيد ينا وليس بجنودها ليخسرالوطنيون المنقسمون ويحترق الوطن في النهاية وتخسر الأمة كلها.
إن الأزمات التي تشهدها أمتنا العربية البالغة حد المآسى الوطنية والقومية في فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال إنما هي نتيجة لغياب هذا التوافق الوطنى بما لم يمنع من البداية وقوع مثل هذه الأزمات، وفي نفس الوقت فإن غياب التوافق القومى هو الذي يمنع حاليا جمع الأطراف المختلفة على طاولة حوار يصل إلى توافق وطني، وإن تحقيق الوفاق القومى يظل هو الشرط الضرورى الذي بدونه تتفاقم الأزمات وتتباعد الحلول.
غير أن الأزمات قد تبقى بغير حلول إذا حدث التوافق القومي على ما يزيد المشاكل ولا يقدم الحلول بالانحياز المسبق مثلا إلى جانب طرف وطنى أو بالرفض المطلق لطرف وطنى آخر، أو بتغليب الحسابات الدولية على المطالب القومية أو بالاستجابة إلى الغالبية الضاغطة قوميا أو وطنيا بغض النظرعما إن كانت على الحق أم على الباطل، فالحق قد يكون مع الأقلية وليس مع الغالبية.
ومع ذلك فإن مانعنيه بالتوافق سواء الوطني أو القومي لايمكن أن يتحقق إلا باعتراف الجميع بوجود الجميع وبحق الجميع أفكارا وأديانا وأعراقا ومذاهب في المشاركة في صنع القرار المشترك وطنيا كان أو قوميا، ليس على أساس القوة والضعف والكبير والصغير والغني والفقير والأغلبية والأقلية ولكن على قاعدة أساسية من القواسم المشتركة والثوابت المتفق عليها أولا التي تناصر الحق وتواجه الباطل وفقا للمرجعيات السماوية والبشرية المشتركة.
من هنا يبدو أن المدخل الذي أثبت فاعليته لتحقيق التوافق القومي هو باستعادة القاطرة الفاعلة في العمل العربي التي تشكلت من المثلث العربي المصري السوري السعودي الذي يشكل محور الأمن القومى عبر التاريخ وحتى الآن، والذي تشكل عودة فاعليته ضرورة لابديل عنها لتحقيق التوافقات الوطنية في ساحات الأزمات العربية، الأمر الذي يقوي رصيد الفعل العربي لحل القضايا القومية وفقا لإرادة الشعوب العربية في مواجهة المحاور الدولية أو الإقليمية.