بعد الانهيار الرسمي للمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي في عام 1991 والإعلان عن قيام نظام دولي جديد أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تفاءل العديد من الدوائر الرسمية وغير الرسمية وسياسيون وأكاديميون في العالم بظهور نظام سياسي دولي تحكمه آليات ديمقراطية تنظم العلاقات الثنائية بين الدول المختلفة وتحقق الحدود الدنيا من العدالة الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وتساهم في نشر الديمقراطيات السياسية وتنشر ثقافة السلام والأمن في العالم وتنهي احتكار الدول الغنية وتسلطها على الدول الفقيرة، كما تنهي تحكم الأنظمة المتسلطة على الشعوب المقهورة لا سيما في دول العالم الثالث.

ولكن بعد مرور أكثر من عقد من الزمن، وبعد كثرة الأحداث والتطورات الدولية، وبعد جلاء الحقيقة في أن طبيعة السياسة الدولية التي تتبناها الدول المؤثرة في العالم استمرت بالرغم من التطورات الدراماتيكية للنظام الدولي السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، وتبين أن ازدواجية المعايير التي تتعامل بها الدول الغربية في سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى غير خاضعة للبحث والتغيير.

أكثر من ذلك، فإن سياسة ازدواجية المعايير التي تمارسها الدول الغربية في سياستها الخارجية أثبتت فعاليتها وتأثيرها، عندما بدأت هذه الدول تبشر بسياسة خارجية تهدف إلى نشر وتعزيز الديمقراطية في العالم، وأنها ستلقي كل ثقلها لمساندة عمليات الدمقرطة في بلدان العالم الثالث على أسس مفادها أن الديمقراطية تمنع الحروب وتغذي السلام وتعزز الأمن والاستقرار وتحقق الازدهار لكل الشعوب في العالم.

وما ثبت حتى الآن من خلال التجارب المختلفة في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ، مثل العراق ولبنان وفلسطين والسودان وإيران وأفغانستان وباكستان وفي أفريقيا وأميركا اللاتينية، أن الدول الغربية سعت نظرياً لتعزيز الديمقراطية في العالم ورمت بكل ثقلها لمساندة عمليات الدمقرطة، فقط عندما تأكدت الحكومات الغربية أن هذه العمليات في صالحها وتحقق أهدافها التوسعية، بينما مارست مختلف الضغوط واستعملت كل الوسائل غير المشروعة لإعاقة التحولات الديمقراطية، عندما أسفرت عن نجاحات لنخب وأحزاب وتيارات لا تتبنى خيارات هذه الدول الغربية نفسها.

هذه التجارب العديدة في السياسات الغربية، بعيداً عن الشعارات السياسية التي نسمعها بين الحين والآخر في خطابات القيادات الغربية وخاصة من قبل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش أثبتت وجود التناقض الحاد والصارخ بين الخطاب السياسي الرسمي وبين السياسات العملية نظراً لتعامل الدول الغربية مع قضية الديمقراطية في العالم بنوع من البرغماتية والانتهازية. الشيء الذي يعني أنها تتبنى قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة لخدمة مصالحها وأهداف سياساتها الخارجية.

ولكن هل يمكن اعتماد آليات ديمقراطية أساساً في مجال السياسة الخارجية من أجل علاقات دولية أفضل؟

الواقع أنه تضاربت آراء الباحثين والمتخصصين في العلاقات الدولية بين مؤيد ومعارض لاعتماد الآليات الديمقراطية في السياسة الخارجية، ويستند كل طرف في استنتاجه إلى تقييمه الخاص لمدى فعالية أو عدم فعالية الأنظمة الديمقراطية في المجال الدولي.

فالبنسبة إلى التيار المؤيد لاستعمال الأساليب الديمقراطية والذي يطالب بدمقرطة السياسة الخارجية، فهو تيار يؤمن بأن ما تتيحه الديمقراطية من روح المبادرة وكثرة البدائل وتنوعها وإتاحة الفرصة لاستكشاف الأفكار الجديدة والحصول على معلومات جديدة.

كما أن هذا التيار يؤمن بأن النقد والتقويم والتصحيح الذي تسمح به الديمقراطية يقلل من ارتكاب الأخطاء الدبلوماسية التي تهدد مصير الدولة واستقرارها. وعليه فإن هذا التيار يثق إلى حد كبير بأهلية الشعب وقدرته في تقرير أهداف السياسة العامة للدولة.

أما التيار المعارض فهو يرى أن الأساليب الديمقراطية عادة ما تكون أقل فاعلية من الأساليب التسلطية في السياسة الخارجية، وعادة ما يربط فعالية إدارة الشؤون الخارجية بالسرية والتخطيط والمثابرة التي تتوفر فقط في النظم التسلطية، ومن ثم يدعو إلى ضرورة إدارة السياسة الخارجية بعيداً عن التأثير المباشر للشعب والإعلام. كما أن هذا التيار ينتقد العملية الديمقراطية في صنع السياسة الخارجية بحجة أن الشعب يفتقد للدراية والمعرفة بشؤون السياسة الخارجية وهي تفضل دائماً أقصر الطرق وأسهلها للتخلص من الأوضاع التي تتطلب تصرفاً حاسماً.

في الجانب العملي واللوجستي فإن هذا التيار يرى أن تطبيق آليات ديمقراطية في مجال السياسة الخارجية من شأنه أن يعطل الكثير من مصالح الدولة، وقد يسبب الكثير من الاضطراب في سير دبلوماسية الدولة أو حتى الإضرار بالمصالح العليا للدولة. ويؤكد هذا التيار على أهمية مفهوم السرية في صنع القرارات السياسية الخارجية لأنها عادة ما ترتبط بالقضايا الحساسة والاستراتيجية التي تحظى بسرية كبيرة من فبل القادة، بحيث تظل رهينة دائرة ضيقة من النخبة السياسية في الدولة.

فمثلاً في الولايات المتحدة الأميركية التي يملك فيها الكونجرس اختصاصات واسعة في ميدان الشؤون الخارجية ولاسيما ما يتعلق بسلطته الحاسمة في إعلان الحرب، إلا أن التجربة أثبتت أن الرؤساء الأميركيين وسلطتهم التنفيذية يتجاوزون باستمرار سلطة الموافقة المسبقة من قبل الكونجرس في التدخلات العسكرية الخارجية.

الرئيس السابق بيل كلينتون اتخذ قراراً بقصف العراق ـ عملية ثعلب الصحراء ـ دون العودة أو الاهتمام باستشارة الكونجرس، ولم يلتمس موقف الشعب الأميركي في هذا الأمر. كذلك فعل الرئيس الأسبق هاري ترومان الذي أشرك القوات الأميركية في الحرب الكورية وفي الهند الصينية، وأيضاً الرئيس جورج بوش الأب عندما أرسل قواته إلى الخليج أثناء حرب الخليج الثانية.

كل ذلك يشير إلى هيمنة السلطة التنفيذية على عملية صنع السياسة الخارجية في جميع الأنظمة السياسية، سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية، برلمانية أو رئاسية أو غير ذلك. وهذه الهيمنة ازدادت شراسة وفتكاً في الآونة الأخيرة وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 عندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات إرهابية في نيويورك وواشنطن.

منذ ذلك الوقت والعالم يشهد سياسة خارجية لدول ديمقراطية لا تختلف عن تلك التي تتبناها دول تصنف بأنها غاية في الاستبداد والطغيان. ولكن الغريب والمثير للدهشة بل وللقلق هو أن هذه الدول التي تتشدق بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لا تمارس فقط سياسات خارجية أسوأ من تلك التي تمارسها الدول الاستبدادية والظالمة، بل إنها لا تشجع في الواقع ـ بل وتمنع في كثير من الحالات ـ انتشار الديمقراطيات والحريات، وتدعم الاضطهاد والقمع والظلم والاحتلال باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

لقد فقدت شعوب العالم الثالث الذي يوصف بأنه عالم الاستبداد آمالها وتطلعاتها نحو مستقبل أفضل لها وللأجيال القادمة، بعد تجاربها المريرة مع ممارسات أدعياء الديمقراطيات المزيفة في العالم «المتحضر» الذي لا يزال لا يدعم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين فحسب، بل أصبح يحتل الأرض والشعب والمقدرات في العراق وغيره بدعوى شعار الديمقراطية.

إن السياسة الخارجية للدول المتقدمة لم تصبح «مدمقرطة»، وليس هناك ما يبشر بذلك، وكيف يكون ذلك إذ أن حتى المؤسسات الكبرى في العالم كالبنك الدولي والنقد صندوق الدولي والأمم المتحدة وغيرها من مؤسسات الدول المتقدمة، لم تتم دمقرطتها وبقيت على حالها قبل انهيار النظام الدولي القديم، وكأن شيئاً لم يختلف في السياسة الدولية والعلاقات الدولية في الألفية الثالثة!

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com