يظن كثير من الناس، حتى المتعلمون منهم، أنّ الاستعارة مظهر لغوي خالص، فهي مرتبطة بالخيال الشعري واللغة العالية والقدرة البلاغية التي قد لا يملكها إلا عدد قليل من الناس يتمتعون بحس لغوي مرهف، وقدرات كبيرة فيما يتصل باللغة ومتطلبات تشكيلها والتعبير بها.
ولكنّ هذا التصور أصبح مشكوكا فيه في كثير من الأوساط العلمية، بل إنه غدا مطروحا مصنفا على أنه خطأ يجب أن يصحح، فقد ظهرت دراسات كثيرة، تنطلق من مسلمات علم اللغة المعرفي، وهو فرع من فروع علم اللغة يهتم بدراسة العلاقة بين اللغة والدماغ، ترى أنّ الاستعارة ليست خاصية لغوية تتصل بالعلاقة بين الألفاظ في الكلام المنتج.
بل هي خاصية ذهنية حاضرة في كل أشكال التفكير والسلوك الإنساني، وهي، لذلك، أمر لا يمكن الاستغناء عنه أو طرحه، فنحن «نحيا بالاستعارة» كما يقول جورج لايكوف ومارك جونسون مؤلفا كتاب «الاستعارات التي نحيا بها»، فالاستعارة جزء مهم من نشاطنا الفكري، وهي آلية أساسية من آليات الدماغ تبني (بمعنى تجعل للشيء بنية محددة) تصوراتنا وأفكارنا.
فالاستعارة، عند هؤلاء، طريقة ذهنية لتشكيل معرفتنا ضمن أطر واضحة، تساعدنا على فهم العالم من حولنا، وعلى إدراك تجاربنا فيه. ونحن نفعل ذلك بنقل تصوراتنا عن مجال معين (المجال المصدر) إلى مجال آخر (المجال الهدف) يكون مألوفا عندنا، وموجودا في ثقافتنا وممارساتنا اليومية. والأمثلة التي يسوقونها لبيان ذلك كثيرة مصنفة عندهم تصنيفات مختلفة، ولكني أسوق هنا مثالا واحدا للقارئ لكي أوضح الفكرة:
في أحاديثنا اليومية عن الزمن «المجال الهدف» نستعير خصائص مجال آخر للتعبير عن تصورنا وهو مجال المال «المجال المصدر»، فالزمن عندنا «يجب أن يستثمر»، وبعض الأعمال «قد يكلفنا ساعات كثيرة»، وبعض الناس «يضيع وقتك»، وأحيانا نحس بأن وقتنا «ليس ملكنا بل هو ملك للآخرين»، ولكي «نوفر جزءا من وقتنا» يجب «ألا نمنحه» لمن «يستغله» في غير طائل، وهكذا.
فهذه التعبيرات توضح بجلاء أنّ دماغنا كوّن تصورا استعاريا أسقط فيه ما يتعلق بالمجال المصدر «المال» على المجال الهدف «الزمن»، فأصبحنا نرى أنّ للزمن خصائص المال، فنعبر عنه كما نعبر عن المال، فهو يستثمر، ويضيع، ويستغل، ويُمنح، ويؤخذ، ويوفَر...الخ.
وقد دلّت الدراسات في هذا المجال على أنّ الاستعارة، بوصفها نشاطا ذهنيا أساسيا لفهم الأشياء من حولنا والتعامل معها، لها دور خطير جدا، إذا استغلت بوعي، في التأثير في الآخرين، وإقناعهم، وفي تسويق أفكار معينة يود فريق من الناس أن يبثها بين العامة ويرسخها في عقولهم، ولذلك فهي تستخدم في مجالات مهمة كثيرة، منها التعليم والسياسة والإعلام، وهي توظف توظيفا «خبيثا» أحيانا لتبرير الأخطاء وتسويغ الأفعال التي قد لا يقبلها الضمير.
ولبيان ذلك نلقي الضوء على ثلاثة مقالات كتبها جورج لايكوف في أوقات حاسمة في تاريخنا المعاصر: الأولى إبان استعداد بوش الأب لغزو العراق، والثانية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والثالثة قبل غزو بوش الابن للعراق. وقد ترجم المقالات في كتيب صغير بعنوان: «حرب الخليج أو الاستعارات التي تقتل» الأستاذان عبدالمجيد جحفة وعبدالإله سليم من المغرب.
يبين جورج لايكوف في مقالاته أنّ الاستعارة قد تسهم في بناء أنواع سيئة من الفكر، بل إنها قد تقتل إذا استخدمت استخداما استدلاليا لتبرير الحرب وقتل الأبرياء من الناس، وتسويغ العبث بمصائرهم وتجاهل آلامهم ومآسيهم، وهذا ما حدث في حرب الخليج؛ فالإدارة الأميركية لم تشن الحرب على العراق بالسلاح فقط، «بل بترسانة استعارية» تسوّق لهذه الحرب، وتبررها، وتضعها في إطار المعقول المقبول؛ فالخطاب السياسي الأميركي لم يقم على وقائع وحقائق بقدر ما قام على تغذية الشعب الأميركي والعالم بترسانة استعارية تقوم على أبنية تصورية محددة وظيفتها التسويق لوجهة نظر الإدارة الأميركية.
وقد عرض في مقالاته عددا من الاستعارات التي بني عليها الخطاب الأميركي، والتي كان لها دور كبير في خداع الشعب الأميركي وتضليله وإقناعه بشرعية الحرب على العراق، وسأحاول هنا أن أعرض لإحدى هذه الاستعارات في محاولة لمشاركة القارئ اكتشاف جانب من جوانب التفكير الذي استغلته الإدارة الأميركية لتغذية شعبها بتبريرات وأفكار تقوم معظمها على استغلال الطبيعة الاستعارية للتفكير الإنساني، بحيث يقع المخاطَب في وهم لا يثبت كثيرا أمام الوقائع، ومع ذلك يظل منساقا وراءه بسبب ما جبل عليه دماغه من آليات مخصوصة يقوم بها في محاولاته فهم الأشياء من حوله.
يقول لايكوف في مقالته الثالثة «من أكثر الاستعارات مركزية في سياستنا الخارجية استعارة «الأمة شخص» تستعمل هذه الاستعارة مئات المرات في اليوم، وفي كل تصوَّر بلاد العراق على أنها شخص فرد هو صدام حسين. وعليه، فإن هذه الحرب التي نتحدث عنها لن تشن على شعب العراق، بل على هذا الشخص فقط».
يستعمل المواطنون الأميركيون العاديون هذه الاستعارة عندما ينتجون تعابير من قبيل «صدام حسين طاغية، يجب إيقافه»، وما تخفيه هذه الاستعارة هو أنّ الثلاثة آلاف قنبلة التي ستسقط خلال اليومين الأولين للحرب لن تسقط على هذا الشخص الفرد، إنها ستقتل بضعة آلاف من الناس الذين تخفيهم الاستعارة، هؤلاء الناس الذين لا نشن عليهم الحرب، تبعا لهذه الاستعارة».
يبين لايكوف أنّ ما يميّز استعارة الأمة شخص «أنها شديدة الانتشار، وقوية، وتشكل جزءا من نسق استعاري مشيّد. إنها تشكل جزءا من استعارة المجموعة الدولية التي تتضمن أمما أو بلدانا صديقة، وأخرى عدوة، وأخرى نصّابة..» بمعنى أنّ الدول الصديقة مثلا هي في الحقيقة شخص، فالصديق في الواقع هو ذلك الشخص وليست الدولة بأكملها.
ولكنّ النسق الاستعاري ينغرس في أدمغتنا ويتجذر بحيث تصبح الدولة كلها شخصا واحدا. ولتوضيح الصورة نقتبس جزءا آخر من لايكوف الذي يستطرد مبينا في المجموعة الدولية التي يسكنها «الأشخاص الأمم» هناك «أمم راشدة» و«أمم أطفال» بحيث يعني الرشد والنضج استعاريا التصنيع. أما «الأطفال» فهم أمم العالم الثالث «النامية» التي تسلك نهج التصنيع.
وتحتاج إلى أن تلقن كيف تنمو نموا سويا، وإلا فإنها تؤدب (لنقل إن ذلك يتم بواسطة صندوق النقد الدولي) عندما تخفق في اتباع التعليمات. وأما الأمم «المتخلفة» فهي الأمم «غير النامية». والعراق، رغم أنه مهد للحضارة، فإنه يصور، عندما ينظر إليه عبر هذه الاستعارة، بوصفه متمردا شقيا مسلحا يرفض الامتثال للقيود، ولذلك ينبغي تلقينه درسا».
يمضي لايكوف في مقالته هذه في تشريح استعارة «الأمة شخص»، وبيان ما تعتمد عليه من حكايات خرافية كلاسيكية من مثل حكاية الدفاع عن النفس، وحكاية الإنقاذ، ولكنه يشير إلى أنّ الشعب الأميركي ووجه بالوقائع التي تهدم كل التصورات التي قامت عليها هذه الاستعارة من مثل غياب أي رابط بين صدام وتنظيم القاعدة، وعدم وجود أسلحة دمار شامل، وقتل الآلاف من المدنيين الأبرياء، فكيف لم يستطيعوا الوصول إلى «الخلاصة المعقولة»؟ يجيب قائلا «من بين النتائج الأساسية التي توصل إليها علم النفس المعرفي أنّ الناس يفكرون من خلال الأطر والاستعارات، أي بنيات تصورية شبيهة بتلك التي وصفتها في هذه المقالة.
توجد الأطر في نقط الاشتباك العصبي لأدمغتنا، إنها حاضرة فيزيائيا على شكل دورة عصبية. عندما لا تطابق الوقائعُ الأطرَ، تظل الأطر وتُتجاهل الحقائق». إنّ التأطير، أي وضع الفكرة في إطار معين، له تأثير عميق على تفكيرنا وإقناعنا، ويمكن أن نبني أطرا معينة تخدم أغراضنا بضخ سيل من التعبيرات اللغوية الاستعارية التي تشيد الإطار المطلوب في أذهان الناس بحيث يصبحون منقادين لأفكارنا وتبريراتنا، «فبمجرد أن تستقر الأطر، يصعب إزالتها».
جامعة الإمارات