سألني أحد القراء تعقيباً على مقال الأمس حول «الهوية في مواجهة العولمة لمن الغلبة»، السؤال نفسه: لمن الغلبة من وجهة نظرك؟ أجبته سريعاً: الغلبة دائماً للأقوى، هذا هو المنطق، وهو حكم العقل والتاريخ معاً، وفي إشكالية الهوية الثقافية في الإمارات فإن القوة ليست بيد الآخر الأكثر عدداً فقط، والأقدر حسب معطيات الواقع على فرض لغته وكافة مقومات ثقافته.
هناك عوامل قوة لدى مجتمع الإمارات أيضاً علينا أن لا نتجاهلها ضمن المعادلة.. فالإماراتيون هم أصحاب الأرض وهم أصحاب القرار السياسي، وهم المتحكمون في مفاعيل الحركة الاقتصادية بجميع أشكالها الرسمية. يبقى السؤال حول مدى صلابة هذه المقومات ومدى قوة الرهان على استمراريتها على ما هي عليه؟!
نعم يفقد أصحاب الأرض قدرتهم على السيطرة على مجريات الأمور لصالح الآخر الأقوى، وفي التاريخ أمثلة جلية لا تخفى على أصحاب الرأي والقرار، خاصة حين لا يتمتع أصحاب الأرض بالخبث السياسي وبالذهنية البرجماتية، وبحس المؤامرة لسلب الثروات والسيطرة، مقابل الآخر الذي ينافسك حياتك وثروات أرضك، ويرغب في غرس جذوره واقتلاعك منها.. لأنه جاء ليبقى على حسابك لا ليرحل أبداً!!
نعم الأرض تتكلم لغة أصحابها بشرط أن يتكلم أصحابها بلغتهم، فهل هذا ما يحدث؟ ليتأمل أحدنا حركة لسانه منذ يغادر منزله صباحاً حتى يغادر مقر عمله مساءً، ليراقب تعاملاته، والأوراق التي تعبر الفضاء بين يديه وعينيه طيلة النهار، والأشخاص الذين يتحدث إليهم وأبناءه الذين يعلمهم أو يشرف على بعض دروسهم.
وخادمته التي يتبادل معها بعض العبارات، وصاحب البقالة، وكاشير السوبر ماركت، وفواتير الماء والكهرباء والإنترنت والهاتف وعقود الإيجار وجميع العقود التي توقعها لبناء منزلك أو شراء سيارتك أو تأمين محلك أو... أو...، أي لغة تستخدم؟ لغة الأرض أم لغة الآخر؟
نحن مهزومون أمام الآخر، لأننا قررنا ذلك، وقد رحل الاستعمار الفرنسي عن الجزائر ذات يوم بعد استعمار شرس استمر أكثر من مئة عام وبين الجزائريين أجيال تربت على لغة المستعمر وثقافته، فكانت أول معارك الجزائر بعد الاستقلال معركة التعريب، وقد كانت معركة قاسية وطويلة، ناهيك عن ذهنية احتقار كل ماله صلة بالعرب، تلك الذهنية التي غرسها الاستعمار ليسهل استمرار بقائه. وليبقي الجزائريين في حالة شعور بالدونية تجاه المستعمر والاحتياج الدائم له، لأنه مصدر التحضّر والرقي، ولأن كل ما هو عربي متخلف وظلامي.
من هنا قال فيلسوف الجزائر الكبير مالك بن نبي «لقد رحل عنا الاستعمار الفرنسي وترك فينا القابلية للاستعمار»، ولهذا كله غرس الاستعمار الإنجليزي لدى الهنود هذه النفسية بالشعور بالدونية تجاه كل ما هو انجليزي..هذه هي الهزيمة الحقيقية.. هذا هو الضعف الحقيقي فينا، وهذا هو عامل القوى الأكبر لإنجاح مشاريعهم الاجتثاثية ضدنا!
أسأل كل من يتحمّس للانجليزية حماسته للحياة والحرية عن السبب، لماذا هذا التفاني وهذه الاستماتة لفرض الانجليزية في كل مكان؟ إن كان كلغة تفاهم وثقافة وقراءة فلا مانع، بل هو أمر مطلوب جداً ومن أقوى أدوات العصر، أما إذا كان للاستماتة، أهداف أخرى فالغلبة ستكون لصالح الطرف الذي يصمد حتى النهاية في معركة هي معركة وجود في نهاية الأمر!
