إلى أين يسير اللبنانيون بمصير لبنانهم؟
ليست هي المرة الأولى التي يطرح فيها مثل هذا السؤال الذي اعتاد الكثيرون من لبنانيين وعرب وأجانب مهتمين، طرحه منذ أكثر من ثلاثين عاما مر خلالها لبنان بأكثر من مفصل مصيري كالذي يمر به اليوم.
فما بين إحياء الذكرى السنوية الأولى للمواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل في «تموز ـ يوليو 2006»، التي لم تعم كل لبنان كما جرت العادة في مناسبات مماثلة، واجتماعات ممثلي الأطراف اللبنانية المتنازعة في سان كلو الفرنسية في 14 و15 الجاري.
والحديث عن اقتراب الحسم العسكري مع مجموعة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد الفلسطيني شمال لبنان، عادت إلى الواجهة بقوة، مسألة هوية لبنان كوطن يتنازعه أكثر من خيار أبرزها أن يكون وطنا يسعى إلى السلام، أو أن يكون وطن مواجهة مع إسرائيل، وذلك على خلفية انتخابات رئاسة الجمهورية وهوية رئيس الجمهورية المقبل.
ففيما حاولت الأكثرية الاستفادة من اجتماعات سان كلو الحوارية لإبقاء التطورات في لبنان قيد السيطرة ولمنع أية مفاجآت دراماتيكية، وسط الترويج لمقولة أن اللبنانيين يريدون لبنان وطنا يعيش أبناؤه بسلام بعيدا عن الآثار المدمرة لحرب «تموز ـ يوليو».
وإن ما حصل قبل عام، وفق ما أعلن رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة، هو أن حزب الله منع إسرائيل من الانتصار عليه ولكنه لم يمنعها من الانتصار على لبنان الذي دمرت إسرائيل اقتصاده وبناه التحتية وقتلت ناسه وشردتهم، فإن حزب الله وظف احتفالاته بذكرى حرب «تموز ـ يوليو» لوضع النقاط على الحروف وتسمية الأمور بأسمائها، حين اعتبر خطباؤه في المناسبة أن الأميركيين يريدون أخذ البلد إلى التطبيع مع إسرائيل، وأن لبنان لن يكون جزءا من المشروع الأميركي المتمثل بالشرق الأوسط الجديد، وأن قطار التغيير الذي أدارت محركه وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد انطلق، ولكن بالطريق المعاكس ليدوس ويطحن ويسحق كل المشاريع الأميركية والإسرائيلية في لبنان والمنطقة.
ويعتبر مراقبون دبلوماسيون عاملون في لبنان، أن الكلام الذي تطلقه الأطراف المعنية بالصراع، ما هو إلا شكل من أشكال الحوار ورسائل متبادلة قد تؤدي إلى التوافق حول اسم رئيس الجمهورية، على غرار التوافق حول ضرورة لقاءات سان كلو الذي ترجم رغبة جميع الأطراف في منع تدهور الأوضاع، وبما يلغي عنصري المواجهة الحالية: تشكيل حكومة وطنية وهو بند خلافي ترفضه الأكثرية، أو انتخاب مجلس النواب الحالي لرئيس جديد بمعادلة النصف زائد واحد وهو أيضا بند خلافي مرفوض من قبل المعارضة.
وسط هذه الأجواء فرضت تصريحات القاضي سيرج براميرتس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، حول الصورة القاتمة للوضعين الأمني والسياسي للبنان خلال الأشهر المقبلة، صداها على الساحة اللبنانية، حيث تحمل الترجمة الميدانية لمخاوف براميرتس مؤشرات عدة، أبرزها:
أولا: فشل فرنسا في مساعيها لاختراق التحالف الإيراني ـ السوري حول لبنان، حيث تشير المعلومات إلى أن جان كلود كوسران رئيس جهاز الاستخبارات الفرنسية السابق زار طهران مرتين خلال الفترة الماضية، ولمس تجاوباً مبدئياً مع حل للأزمة اللبنانية الداخلية، على خلفية أن التحالف الإيراني ـ السوري يتعلق بالمواجهة العسكرية في الشرق الأوسط في حال تطورت الأوضاع في اتجاهها، وهو ليس تحالفاً حول مصير لبنان.وتفيد المعلومات أيضا، أن المساعي الفرنسية تتركز على إيران وتتجنب سوريا التي لم يتضمنها برنامج تحرك كوسران.
ثانيا: دخول لبنان حالة من الفوضى بعد 25 أغسطس المقبل، تاريخ بداية المهلة لانتخاب رئيس الجمهورية، حيث إن حزب الله يرى أن فرصة التوافق أو الحل التي يمكن أن تكون متاحة اليوم تمتد حتى ذلك التاريخ، قبل أن يلجأ كل طرف لحسم خياره في طريقة إدارة البلاد، ملوحا بأن المعارضة ستتخذ إجراء ضمن الإطار القانوني والشعبي، وستجد إطارا يمثلها ويأخذ شرعيته منها، حيث تفيد أوساط مقربة من الحزب أن مساءلة قواعد الحزب لقياداتها بدأت تشتد حول نتائج المواقف السابقة والاعتصام الشعبي المستمر منذ أكثر من 230 يوما مقابل القصر الحكومي في بيروت.
ثالثا: فشل المساعي الجارية لسحب اقتراح المعارضة بانتخابات نيابية مبكرة، وتسويق اسم قائد الجيش الحالي العماد ميشال سليمان كرئيس مقبل للبلاد لمدة سنتين كحل توافقي بين الأكثرية والمعارضة، ريثما يحل تاريخ الانتخابات النيابية وتسلم المجلس النيابي الجديد موضوع الانتخابات الرئاسية مجددا.
وتفيد أوساط نيابية لبنانية معنية أن صاحب هذه المساعي أو هذا الاقتراح هو النائب ميشال المر، وترى أن الاقتراح رفض مع لحظة إعلانه من قبل جميع الأطراف المعنية، ولا سيما من حزب الله الذي ترجم رفضه عبر كلمة احتفالية للنائب محمد رعد قال فيها موجها كلامه للأكثرية إذا أردتم أن تستمر الأزمة سنتين والقصة قصة عض أصابع ونرى من يصبر أكثر، فنحن نقول من الآن أنكم من سيقول الآخ أولا.. نحن لا نريد لكم ذلك كما لا نريده للبلد.
رابعا: إصرار حزب الله على العماد ميشال عون كمرشح واحد ووحيد لرئاسة الجمهورية عملا بالتفاهم السياسي الذي جمعه سابقا مع الحزب، وكرد جميل له على موقفه الداعم في حرب تموز ـ يوليو، الأمر الذي لا يمكن للأكثرية أن تقبل به.
خامسا: حصول مواجهة جديدة في جنوب لبنان تعيد خلط الأوراق، وتخلق واقعاً جديداً يفرض ذاته على القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في لبنان، وتلتقي مصادر قوى الأكثرية والمعارضة على استبعاد هذا الاحتمال من منطلقين أولهما، عدم استعداد القوى الإقليمية المعنية، إسرائيل، سوريا وإيران، لمغامرة غير محسوبة الأبعاد والنتائج من هذا النوع، والمنطلق الثاني يتمثل بأن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تمكنتا خلال الفترة الماضية.
ولو جزئيا، من تحقيق هدفهما بإحباط جمهور المقاومة وضعضعته وزعزعة الصورة التي بناها حزب الله نتيجة صموده في مواجهة الجيش الإسرائيلي مستغلين بعض المواقف والأخطاء التي يكون حزب الله قد ارتكبها داخليا أو استدرج إليها أو كان يصعب عليه تلافيها، وبالتالي فإن الموقف بالنسبة إلى الطرفين الأميركي والإسرائيلي لا يستحق توريط إسرائيل مجددا بمعركة غير معروفة أو محسوبة النتائج.
ويبقى السؤال المركزي: ماذا بعد؟ وتبقى المراهنة على أن يتعظ اللبنانيون ويقتنعوا بأن الحوار ما زال ممكنا في لبنان، وبأن الحل موجود في وطنهم إذا أرادوه وليس في الخارج، طالما أنه ممكن في سان كلو، وأن التفاهم حول طبيعة الحكومة الوطنية ليس مستحيلاً، وكذلك التوافق على اسم رئيس الجمهورية المقبل.
كاتب لبناني
