فصل مأساوي جديد يدمي القلوب يضاف الى سجل المعاناة الفلسطينية الحافل بالآلام والأوجاع التي لا حصر لها. انها مأساة أكثر من 12 ألف فلسطيني عالقين على منفذ رفح البري ومطار العريش المصري منذ اقتتال الاخوة المتناحرين، ولا ناقة لهم ولا جمل في هذا الاقتتال والصراع ـ البغيض ـ بين أشقاء النضال.
معظم العالقين، هم من الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة. منهم من كان يخوض رحلة علاج ويأمل في العودة إلى داره ليستريح. وعلينا أن نتخيل ماذا سيكون مصير مريض منهم يعاني من فشل كلوي ويحتاج إلى علاج دوري وراحة ولا يستطيع العودة إلى بيته.
علينا أن نتخيل أيضا كيف ستتخلص أم من بين هؤلاء العالقين من آلام وبكاء وصراخ صغيرها الرضيع الذي يتلوى من مغص أو حالة جفاف تتطلب إسعافه ونجدته. بل كيف ستنجو أم أخرى يأتيها المخاض وهي لا تجد رعاية لإتمام ولادتها أو إنقاذ جنينها إذا أصابه سوء ولا يوجد من يسعفه.
لقد كشف تقرير لوكالة الأنباء الألمانية بؤس أوضاع العالقين على معبر رفح، فأكد أنهم يعيشون في مأساة بالغة الصعوبة بعد نفاد جميع الأموال لديهم، مما اضطرهم إلى ترك الفنادق والشاليهات التي كانوا يقطنونها والمبيت في العراء بالشوارع والحدائق، وكذلك بيع جميع متعلقاتهم الشخصية من ساعات وملابس وغيرها. الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى، وهم الشريحة الكبرى من هؤلاء البؤساء، صرخاتهم من الألم تتزايد. وبعض كبار السن المصابين بأمراض مزمنة تدهورت أحوالهم الصحية لعدم توفر الأدوية والأموال لديهم.
لم يتلق هؤلاء العالقون ـ كما تقول الوكالة الألمانية- أي مساعدات إنسانية من أي جهة حكومية أو رسمية سوى مبلغ المئة دولار لكل أسرة عن طريق حكومة حركة حماس «المقالة» وكذلك جهود بعض اللجان الشعبية ومساعدات من اتحاد الأطباء العرب.
وللأسف دخلت المأساة فصلا جديدا أمس. اذ قالت مصادر أمنية في شمال سيناء إن اشتباكات عنيفة بالأيدي والعصي نشبت بعد فجر أمس بين رجال الأمن المصري والفلسطينيين الذين كانوا يحتجون على بقائهم قيد الاحتجاز مع استمرار إغلاق معبر رفح الحدودي. وقال أحد العالقين: ان هناك ثلاثة من المحتجزين تم نقلهم إلى مستشفى العريش العام بعد أن أصيبوا باختناق وحالات إغماء شديدة نتيجة الاشتباكات.
ويبلغ عدد المحتجزين بالمطار 98 فلسطينيا وهم من الذين وصلوا إلى الأراضي المصرية ولا يحملون تأشيرات للإقامة وجرى نقلهم من المواني البحرية والمطارات المصرية الى مطار العريش تمهيدا لترحليهم إلى غزة عن طريق معبر رفح الحدودي ولا يسمح لهم بالخروج من المطار.
المعاناة تتزايد أيضا داخل غزة بفعل إسرائيل، اذ رفضت أمس إدخال المساعدات المقدمة من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إلى القطاع. فنحو 15 شاحنة محملة بكميات من الدقيق وصلت الى ميناء رفح البري بمحافظة شمال سيناء المصرية تمهيدا لدخول قطاع غزة عن طريق منفذ كرم أبوسالم (كيرم شالوم) المخصص للشاحنات، إلا أن إسرائيل رفضت دخولها بحجة عدم وجود تنسيق وتمت إعادتها مرة أخرى إلى المخازن لحين الموافقة على دخولها.
إسرائيل تنفذ مخططا إجراميا بخنقها الانشطة الاقتصادية في القطاع. وباعتراف جماعة جيشا الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان، تفرض إسرائيل عقابا جماعيا على سكان غزة البالغ عددهم 5,1 مليون نسمة. في غزة، حوالي 66 ألف فلسطيني فقدوا وظائفهم بسبب المشكلات الاقتصادية التي سببها إغلاق المعبر، كما أغلقت 80 بالمئة من الشركات في غزة. ونسأل: هل شعر المجتمع الدولي بمعاناة غزة وأهلها بمن فيهم أولئك العالقون على الحدود المصرية؟ وإن شعروا بها فلماذا هم صامتون؟!
