في الدول المتقدمة انتهى رمز البطل، لأن الشعوب هي من تختار قادتها بالاقتراع الحر، وجاء التعويض عنه سباقاً بين الأمم والشعوب في كيفية مضاعفة دخولها ومدخراتها وارتفاع مستوى الفرد ورفاهيته، وأصبح الوقت قيمة عليا فترتب عليه العد التنازلي لإطلاق قمر صناعي، أو صاروخ عابر الجاذبية، وكم دقيقة، أو أجزاء منها يحتاج مصنع سيارات كي يقذف للسوق أعداداً هائلة، وما هي الساعات أو الدقائق التي تجعل القطارات السريعة توصل جيوش العمال إلى وظائفهم، وبالتعامل مع الوقت انهزمت بالمنافسات العلمية والاقتصادية النظم الشمولية، حيث أزيحت من الدول الشيوعية صور وتماثيل لينين وستالين، وماركس، وبقي (ماو) رمزاً للدولة، في ظل قاعدة للرأسمالية المتسارعة النمو، والتي لعنت الثورة الثقافية وجميع رموزها..

في عالمنا الإسلامي والعربي، المشهد لم يتغير، وإن تقزّم البطل فبدل أن يكون رمز دولة وأمة، صار قائد مليشيا ومنظمة تأخذ أسماء مصلحين وفقهاء وعلماء حديث لكنها لا تمثل تلك الأسماء بسماحتها واتساع رؤيتها، لأن تلك الأسماء جلبت من التاريخ لإرضاء عناصر من يقدمون ضحاياهم للموت المفرط، وليقتلوا معهم كل من تصله شظايا السيارات المفخخة، أو من (يتزنرون) بحزام ناسف، وتعاملنا مع وظيفة الوقت بالكيفية التي يصل بها الإرهابي لأقصى سرعة وهو يقود سيارة الموت مستهدفاً الإنسان والمنشأة وحتى المساجد والمدارس والجامعات، لأنه حُقن إلى حد الانفجار بأن مهماته في الدنيا ليست إلا محطة مؤقتة ليذهب للجنة حتى لو كان الضحايا من الموعودين بآجل النعيم لأنهم يؤدون واجباتهم، كأي مسلم صالح الذمة، والبدن..

أبطال على محطات الفضاء، والإنترنت والمنشورات السرية المتداولة، يكفّرون الدول ومن ينتمون لها بالوظيفة والمواطنة وسيرورة التاريخ، لتحل دماؤهم وأموالهم، والمؤلم أن الألقاب التي ألحقت التهم بالكثيرين سواء بمثقف، أو عالم دين وسطي المنهج والسلوك، أو شخص يخدم وطنه ومواطنيه من خلال نزاهته وقول الحقيقة، أن سميناهم، فيما مضى (دهريين) ثم شيوعيين وشبه ملحدين وعلمانيين وأخيراً ليبراليين، في الوقت الذي توجد فوارق كبيرة بين تلك التوصيفات ومعانيها ومن اتبعوا مناهجها وسلوكياتها..

لن يختفي البطل ما لم نستقلّ بأفكارنا وحرياتنا، ونتحاور من دون إطلاق النار على بعضنا، لأن كل من يشعر بضعف طروحاته الفكرية أياً كان نوعها، لا يقبل الهزيمة، لأنه بطل يريد انتزاع حق يدعيه ولو بتصفية الآخر، وقد ذهب الكثيرون بالإعدامات والسجون، أو الإبعاد، لأنهم خالفوا البطل الذي وضع النياشين على كتفيه وعمّم صوره وتماثيله على كل مكتب وشارع بمبدأ عدم المساواة بالألقاب لأنها جريمة يعاقِب عليها قانون البطل كل من يدعيها أو يعلنها..