كنت أجاذب أطراف الحديث صديقاً لي، يتقن الفارسية، وكان إلى جوارنا تاجران من إيران يتحاوران بلغتهما، وفجأة وضع جليسي سبابته على شفتيه، كأنه يطلب مني أن أسكت، فسكت. وبعد لحظات قال: أتدري ما يقولان؟ قلت: لا، قال إنهما معجبان أشد الإعجاب بنهضة دبي العمرانية، وبسياسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قلت: ومن لا يجب به وبسياسته وإدارته؟ قال: غير أنهما يزعمان أن «دبي» كلمة فارسية الأصل، معناها «البريّن» ولفظها «دوباي» قلت: الآن انكشف السرّ فلابد من فضحه.
«دبي» أطول القوادم في جناح الصقر العربي الممتد من بحر القلزم (الأحمر) إلى بحر العرب، والفاصل بين هذه القادمة العربية الأصيلة الجسم والاسم، خليج من ماء البحر العربي وفرات العرب ودجلتهم اسمه الخليج العربي. وعرب الخليج لا يزالون حتى يومنا هذا يطلقون اللفظ على الأشخاص كما أطلقوه من قبل على جزء من أرض العرب أو بلد من بلدانهم، أما الذين يزعمون أن اللفظ فارسي فإنهم يزعمون هذا الزعم لحاجة في نفس «رستم» إن سكتنا قضاها، وإن اعترضنا طواها، والحاجة معلومة سلفاً.
في البلاد العربية مدن كثيرة تحمل أسماء غير عربية، فهل اسم الإسكندرية يخول أحفاد الإسكندر في اليونان أن يضموها إلى أثينا؟ وفي سوريا إقليم اسمه (اسكندرون) سلخته تركيا بلا حق، فهل يؤخذ من تركيا ويلحق باليونان؟ إن جارتنا العزيزة من أيام الشاه إلى يومنا هذا ما فتئت تبحث عن مسوّغات واهية لاغتصاب الأرض العربية، حتى ذهب بها الجشع إلى سلخ ثلاث جزر عربية التراب، عربية البشر، عربية الأسماء، وهي طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبوموسى، ثم امتد بها الجشع إلى مرمى أبعد وهو ضم دولة كاملة، أو مملكة لها أرض وجيش وملك ودستور.
ويعترف بها المجتمع الدولي، وهي «مملكة البحرين» الشقيقة، وإذا كان للشاه بعض العذر في الأمس البعيد حين طالب بضمها إلى إيران لغروره، فما عذر الجمهورية الإسلامية في إعادة هذا الادعاء بالأمس القريب؟ وما ندري هل ستطالب بعُمان لأن في اسمها ألفاً ونوناً كطهران وأصفهان وعبادان؟ أم ستطالب بجلفار مدعية أنها من أملاك اسفنديار؟ وهل سيبقى الحبل على الجرار، فلا يوقفه اعتراض ولا استنكار؟
جاء في لسان العرب: «دبي موضع لين بالدهناء، يألفه الجراد فيبيض فيه» وجاء في الاشتقاق لابن دريد: «بنو دب من كلب بن وبرة من قضاعة. ودب: هو اسم عربي، وهو: دب بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكذلك سمي وبرة بن حيدان أبو كلب بن وبرة: دب» والدُبة بالضم الطريق. قال الشاعر:
طها هذيانٌ قلّ تغميضُ عينِهِ
على دُبةٍ مثل الخنيف المرعبل
ويقول العرب: دبي الربع: أكله الدبى، أي الجراد. وتصغير الدبى: دبي كما تقول في تصغير الفتى والهدى: فتي وهدي. فما علاقة الفارسية بهذه اللفظة الأصيلة العروبة؟ واسم دبي لما يزل متداولاً في قبيلة قضاعة، ومنها بنو ياس، وممن يحملون هذا الاسم حتى الآن أبناء دبي بن ساعد الداخلين في قبيلة «الجنبة» بعُمان، وعلى رأسهم الشاعر علي بن سعيد بن الضبع الجنيبي الذي مدح الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان الفلاحي الياسي زعيم بني ياس، جد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رائد النهضة في الإمارات العربية المتحدة. يقول الشاعر ابن الضبع الجنيبي:
زايد يلي قالوا على الناس زايد
مشراق شمسٍ ما تغبّا ضحاها
زايد يلي قالوا على الناس زايد
نور، قمرها في الظلام ودجاها
ولا خير في وقتٍ رمى بالحقايد
وجدودنا عند القبايل رماها
شدّوا الرّحايل وانتحوا للبعايد
وتحولوا صوب الجنوب ونداها
الأصل ياسيٍّ ومن شف زايد
إن كان نسَّابْ الجماعة يباها
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «دبا: هي إحدى أسواق العرب قديماً في عمان، يجتمع فيها تجار الهند والسند والصين وأهل المشرق والمغرب»، وقال البكري في كتابه «معجم ما استعجم»: دبا: «اسم موضع في ظاهر الحيرة».
ويبدو أن وراء هذا الافتراء من يروّجه، حتى ينطلي على بسطاء الناس، ومن هذا الترويج ما تذهب إليه مواقع في شبكة الإنترنت، تحاول أن تغرس في أذهان الناس تحدّر اللفظ من أصل فارسيّ، ولا أفسرّ هذا الترويج إلا بأمرين: أطماع الفرس وتسامح العرب، ولو جارينا من يزعمون ما زعموا لانتزعنا منهم عاصمتهم طهران، وقلنا لهم: هي من الطّهارة، ومن الانجليز شاعرهم شكسبير وقلنا هو عربي اسمه الشيخ زبير. غير أننا لا نتباله ونتغابى، ولا نتكلّف ونتنطّع، وإنما نردّ الألفاظ إلى أصولها، ونحفظ للأمم حقوقها ولا نسمح لأحد أن ينتزع منا ذرة رمل من رمالنا.
كاتب إماراتي