مثلت التجارة أحد أبرز النشاطات التي مارسها الإنسان منذ أقدم العصور، واحتلت على الدوام مكان الصدارة في حياة كل مجتمع باعتبارها وسيلة أساسية لتبادل المنافع وتوفير احتياجات أفراده ومكوناته. كان هذا حال التجارة عبر التاريخ، ومن الطبيعي أن يرتفع شأنها وتزداد أهميتها في زمن الاحتكارات وعصر العولمة، حيث كل شيء قابل للبيع والشراء، وبأي ثمن أحيانا!
لكن البعض على ما يبدو، بالغ كثيرا وذهب بعيدا في المتاجرة، ليس بما يملك فحسب، وإنما أيضا بما لا يملك ولا يحق له أن يتاجر به أو يتصرف فيه. باع البعض أنفسهم ورهنوا أوطانهم، وحولوا شعوبهم إلى مجرد سلع معروضة للبيع بأبخس الأثمان، وربما مقابل وعود مؤجلة قد لا تتحقق أبدا، أو لمجرد التخلص منها باعتبار أن الوطن أصبح عبئا على أمثال هؤلاء، ويكفيهم ربحا أن يتخلصوا منه ومن الانتماء إليه!
هؤلاء المتاجرون ومن تبعهم بالسوء من الطفيليين وعصابات الإجرام، لم يقفوا عند هذا الحد بل أصبحوا يقتاتون على ايجاد النزاعات وتفجير الصراعات والمتاجرة بالأزمات، لتعظيم عائدات الدمار والخراب. فزعماء بعض العصابات والمافيات يدينون بوجودهم ومكانتهم لسيادة الفوضى واختلال المعايير وغياب موازين القيم والأخلاق.
ويدركون جيدا معنى أن يستتب الأمن ويسود السلام والوئام وما يمثله ذلك ويسببه من خسارة لهم وخطورة عليهم، وبالتالي فإنهم يبذلون كل جهد ويقدمون ما يستطيعون من تضحيات لمنع أي تفاهم أو تقارب بين المتنازعين والمتخاصمين، في سبيل الإبقاء على مصالحهم الذاتية الخاصة وما اكتسبوه من مكانة مزيفة وخادعة.
لذلك يعمد هؤلاء إلى افتعال الأعذار واستنبات العقبات كلما لاحت بادرة التقاء أو تفاهم بين المتخالفين داخل الوطن الواحد أو في الإطار الأوسع للأمة، يتبارون في وضع الشروط التعجيزية وإلقاء التهم المجحفة واستخدام كل ما تحفل به قواميس اللغة من شتائم واستفزازات، من أجل أن يقطعوا كل الخطوط الممكنة للرجعة والتلاقي مجددا، ولو بعد حين.
وتجد هؤلاء المتاجرين بالحروب والصراعات يتوزعون بين مختلف الأطراف، ويتنافسون في شد كل طرف في الاتجاه المغاير للطرف الآخر، إمعانا في الفرقة وحرصا على إطالة أمدها إلى ابعد حد ممكن. فالحوار ممنوع حتى يقبل الخصم شروط خصمه، واللقاء بين الطرفين معلق حتى يستسلم احدهما لمطالب الآخر.
هذا بالطبع إن كان هذا الآخر أخا أو صديقا، أما مع العدو فكل شيء ممكن ومباح، والطريق ممهد و«سالك» للخضوع والتنازل والتلاقي حول كل ما يطلبه أو يشير إليه ولو من بعيد. وأحيانا يجد هذا العدو من يبادره بأكثر مما يريد أو يتمنى! ومع ذلك فان الكل يدعي رغبته في الحوار وسعيه للمصالحة.
لكن، كيف يمكن أن تتم المصالحة أو يتحقق الوفاق دون التقاء وحوار؟ وما الحاجة أصلا للمصالحة إذا لم تكن هناك مواضيع خلاف أو مواقف تتباين حولها الآراء؟
إن من يريد المصالحة حقا ويسعى للوفاق، عليه أن يسمع الرأي الآخر وان يكون مستعدا لمناقشته والتحاور حوله، بقدر ما يريد أن يستمع إليه خصمه ويحترم رأيه، لان ذلك هو السبيل الوحيد لايجاد الظروف والفرص المناسبة لاكتشاف نقاط الالتقاء والتقارب، قبل البحث في ما هو أكثر إثارة للاختلاف والتباعد.
أما اللعب على الشعارات والمصطلحات ومحاولات التلاعب بالمشاعر والعقول، فقد أصبحت مكشوفة للجميع ولم تعد قادرة على تغطية عورات المخادعين والمنافقين الذين دأبوا على المتاجرة بالأوهام وترويج بضائع مغشوشة ومنتهية الصلاحية منذ أمد طويل.
لقد سئمت منطقتنا وشعوبنا من المتاجرين بمصائرهم ومقدراتهم على امتداد عقود، بل قرون من الزمن، ولم تعد هذه المنطقة قادرة على تحمل المزيد من الدمار والخراب الذي لحق بها طوال هذه السنين.
أفلا يكفينا أن هذا الجشع القاتل والهدام، أصبح هو النهج والمعيار الذي يقود سياسات قوى عظمى ويحكم سلوكها وممارساتها، في منطقتنا وعلى امتداد العالم أجمع!