الفلتان.. ومحاصرة حماس والاقتصاد.. والتشريع.. والمفاوضات كلها عناوين متشابكة تعمل السلطة الفلسطينية وحكومتها تحتها بهدف إخراج صيغة حكم جديدة في الضفة الغربية تختلف عما كانت عليه في السابق وأدى إلى فقدان قطاع غزة لصالح حركة حماس.
وهذه المواضيع متشابكة من حيث ان السلطة تعلم انها لا تستطيع إجبار إسرائيل على فتح الملف التفاوضي دون ان تكون نظمت شؤونها الداخلية ووقفت على أرض صلبة. وكان الهم الأول هو القضاء على الفلتان وبسط الأمن ونزع السلاح غير الرسمي المتمثل بأسلحة بضع مئات من المقاومين من كتائب شهداء الاقصى التابعة لفتح وسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي وبعض المطاردين من الجبهة الشعبية والديمقراطية.
واجتهد سلام فياض ووزير داخليته المخضرم اللواء عبدالرزاق اليحيى وهو أقدم عسكري فلسطيني من مؤسسي جيش التحرير في سوريا للتوصل إلى اتفاق مع الإسرائيليين لوقف ملاحقة المطاردين وعودتهم إلى حياتهم الطبيعية. بعد فترة تجريبية لمدة ثلاثة أشهر.
وهذا من شأنه تطبيع الحياة في كبرى مدن الضفة أي نابلس التي عانت من الاقتحامات والدمار والحصار حتى تحولت إلى مدينة هامشية اقتصاديا بعد أن كانت في الريادة، وكذلك مدينة جنين التي كانت منتعشة اقتصاديا بسبب تردد عرب الجليل والمثلث عليها للتسوق. وكما يقول وزير الداخلية فان إغلاق هذا الملف يتيح للسلطة المضي قدما في نزع الأسلحة غير الرسمية.
وتشن الأجهزة الأمنية الفلسطينية حملة اعتقالات ضد نشطاء من حركة حماس بحثا عن أسلحة، والمعتقلون هم أعضاء في القوة التنفيذية التي حاولت حماس تشكيلها في الضفة وقامت بتخزين كميات من الأسلحة بالتهريب او الشراء حيث كان أعضاء حماس يعرضون مبالغ طائلة لشراء أية قطعة سلاح من السوق السوداء.
وبالطبع لا يوجد اي مطاردين من حركة حماس لدى الاحتلال، لأن الحركة لم تنشئ ميليشيات علنية في السابق ولم تمارس العمل الهجومي المسلح وتركز نشاطها على العمليات الاستشهادية في اغلبه داخل إسرائيل. ويبدي وزير الداخلية امتعاضه من المواقف الغربية تجاه دعم أجهزة الأمن الفلسطينية ويقول انه في كل اجتماع مع وفود أمنية غربية كان يفاجئهم بسؤاله.. إنكم تأتون هنا وتعرضون كتيبات ومشاريع ملونة مأخوذة عن الانترنت ولكن ما الذين قدمتموه؟
والجواب لا شيء.. وكانت آلة الإعلام الإسرائيلية والأميركية ومسؤولون أميركيون أسهبوا خلال الفترة السابقة في الحديث عن تدريب قوات الأمن الفلسطيني ودعمها بالسلاح والمال.. الخ لكن هذا لم يحدث مطلقا، ولعل كثرة الحديث عن ذلك أدت إلى تبلور مقولة وجود مؤامرة للانقلاب عسكريا على حماس وهو لم يكن صحيحا.. بل لعلي اقول ان بعض التيارات في فتح لو لم تنقلب حماس على السلطة لانقلبت عليها في غزة. لأن عقيدة فتح وحماس في غزة متشابهة.
الملف الأمني الفلسطيني شائك جدا ويحتاج إلى اعادة بناء أجهزة أمنية يسودها التسيب والإهمال وقلة التعبئة والحافزية والتدريب والسلاح بل اللياقة البدنية أيضا فأنت تستطيع رؤية تدريبات حول المقاطعة والجنود يركضون وفي افواه بعضهم سجائر؟ ذلك ان انعدام الانضباط شائع وكذلك جرى تجنيد بضعة آلاف من الأميين واشباه الأميين في الشرطة والأمن الوطني حتى يطيعوا دون نقاش لكن هذه العقلية لا تقدم بل تؤخر.
وبالتالي فان إعادة البناء والغربلة تحتاج إلى وقت حيث ان انهيار الأجهزة الأمنية في غزة واستسلامها دون قتال يرجع أساسا إلى انعدام الجاهزية والحافز بل نجحت حركة حماس في استقطاب قرابة 80 ضابطا عملوا معها لتسليم مواقعهم دون قتال.
فلسفة حكومة فياض التي ستواصل عملها بإجراءات قانونية تقفز عن المجلس التشريعي إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير باعتبار أن السلطة ذراع تابع لمنظمة التحرير تقوم على أحداث انتعاش اقتصادي في الضفة ومواصلة حصار حماس في غزة وعدم محاورتها الا بشروط وطرد الموظفين الذين عينتهم حماس بعقود او دون وجود اعتمادات مالية حقيقية لهم..
وغربلة 31 ألف موظف تمت ترقيتهم وتعيينهم في فترة حكومة أحمد قريع السابقة، واغلب هؤلاء من العسكريين الذين لم يلتزموا بأي دوام او عمل. فالجهاز العسكري كان يشكل اكثر من نصف عدد موظفي السلطة خاصة في غزة.. وحجب الرواتب عن اي موظف يتعاون مع حركة حماس في غزة.
كل هذه الاجراءات مع المبادرات الإسرائيلية كالافراج عن اسرى ووقف مطاردة مقاومين والافراج عن اموال السلطة المحتجزة لدى إسرائيل تبقى بلا معنى طالما ظل الجمود على المسار التفاوضي. فالانقلاب الحمساوي في غزة ادى إلى حالة من اللا حرب في غزة واللا تفاوض في الضفة فحركة حماس عمليا اوقفت العمليات العسكرية التي قد تزعج إسرائيل كقصف سديروت وتعرض هدنة طويلة الأمد.. اي ان الذي كانت تعارضه ايام ياسر عرفات اي التهدئة صار مطلبا الآن.. والسلطة في الضفة تعلم انه دون انفراج سياسي والدخول في مفاوضات مع إسرائيل فان كل جهودها مهددة بالتلاشي على المدى القصير.
ولذلك فان حكومة فياض تضغط لاعادة فتح الملف التفاوضي واعادة الوضع في الضفة إلى ما كان عليه قبل الانتفاضة، لأن اي انجاز آخر لن يطيل من عمرها وعمر السلطة الا اذا اقترن بانجازات سياسية ولكن السؤال هو مدى قدرة او استعداد إسرائيل للانخراط مجددا في العملية التفاوضية.
فهي عمليا رفضت مبادرة السلام العربية وانقلبت على خارطة الطريق. ولهذا يمسك الجانب الفلسطيني بشعار الدخول في مفاوضات الوضع النهائي، أي التفاوض على الحل النهائي مباشرة دون الدخول في تفاصيل أخرى كالخطوات التمهيدية وجداول زمنية ودولة مؤقتة.. الخ.
ويحاول بعض الإسرائيليين وعلى رأسهم الرئيس الجديد شيمون بيريز وكذلك زعيم حزب العمل الجديد ايهود باراك إعادة فتح ملف الخيار الأردني وهو ملف أثير مجددا بعد انهماك الأردن في محاولة الترويج لمبادرة السلام العربية بهدف مساعدة الشعب الفلسطيني على إقامة دولة قابلة للحياة وفقا لكلام العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني.
ولعل الذي ينشط في هذا المجال هو رئيس الوزراء الأسبق عبدالسلام المجالي الذي كان ذات سنة رئيسا للوفد الأردني الفلسطيني المشترك، ولعل الفكرة الأردنية تختصر في العمل على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة اي غير منقوصة الأراضي حيث يدفع بعض الإسرائيليين ومنهم إيهود أولمرت نحو الانسحاب الأحادي من الضفة والاحتفاظ بحوالي ثلثيها للاستيطان، وهذا يعني تصدير المشكلة الفلسطينية إلى الأردن.
لكن الأردن يريد دولة فلسطينية ذات ارض يمكنها لاحقا أن تناقش أي شكل من أشكال الاتحاد مع الأردن.. ولكن بعد إعلانها وليس قبل ذلك.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين