يتحرك المجتمع المدني في الكويت بمؤسساته المختلفة للوقوف ضد قانون أصدره مجلس الأمة يحظر عمل النساء في الليل. والغريب أن تحرك المجتمع المدني هذه المرة ليس ضد الحكومة وممارساتها ـ وهو الشيء المعهود ـ بل ضد مجلس الأمة والحكومة على حد سواء!!

فهذا القانون مُرر من قبل مجلس الأمة بإجماع أصواته، وهي حالة نادرة بحد ذاتها! ووافق عليه وزراء الحكومة الذين يشتركون في التصويت، حسب النظام البرلماني في الكويت، والأغرب أن هؤلاء قد وافقوا على ذلك القانون بالإجماع أيضاً!! وإذا كان نواب مجلس الأمة يريدون إرضاء ناخبيهم بأي طريقة خاصة وأن التيار الديني السياسي هو السائد بينهم، فإن الحكومة لا عذر لها في الموافقة على مثل هذا القانون.

إذ ان هذا القانون لو طبق (بالطبع بعد موافقة أمير البلاد) فإنه سيحدث اضطراباً وخللاً في الحياة الاقتصادية لدولة الكويت، وهي دولة تحاول بشق الأنفس استعادة دورها التجاري الرائد في المنطقة - وهو دور فقدته في العقود الثلاثة الماضية- مستفيدة من الفوائض المالية الضخمة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.

وربما ظنت الحكومة بموافقتها بالإجماع على هذا القانون إنه متعلق فقط بالعمل في القطاع الأهلي، وهذا القطاع تندر فيه العمالة الوطنية، وبالتالي فهي بمنأى عن الضغط الشعبي.

فمعظم العمالة الوطنية تعمل في القطاع الحكومي (220 ألفاً) منهم 120 ألفاً من النساء و100 ألف من الرجال، أما العمالة الوطنية المنخرطة في القطاع الخاص إلى الثلاثين من شهر يونيو من العام 2006 فهي لا تتجاوز العشرين ألفاً تمثل النساء أكثر بقليل من 38 % من ذلك العدد، الكثير منهن يحتللن مناصب رفيعة (1091 امرأة) أو مناصب علمية وفنية (1433 امرأة) مما يعني عدم تأثرهن عملياً بأحكام القانون الجديد.

ولو صحت قراءتنا لمبررات الحكومة للموافقة على ذاك القانون لَعُدَّ ذلك حقاً طامة كبرى، إذ كيف يستقيم هذا القانون مع توجهات الحكومة الإصلاحية ودعوتها لإشراك القطاع الخاص في العملية التنموية سعياً منها لتنويع الدخل؟؟ وكيف يمكن أن يكون ثمة إصلاح اقتصادي دون انخراط الشباب من الجنسين في نشاطات القطاع الخاص وتركهم للوظيفة الحكومية التي تتفشى فيها البطالة المقنعة؟

كيف يمكن أن نخلق شعباً منتجاً في ظل مثل هذا القانون وغيره؟والملاحظ أن معظم العمالة الكويتية تتوجه إلى الأعمال الحكومية في ظل تنامي دور القطاع الخاص واتساع حجم نشاطاته، فإذا كانت الكويت قد ابتليت في العقود الثلاثة الماضية بظروف سيئة كالحرب الإيرانية العراقية التي كانت تدور رحاها على حدودها لثمانية أعوام، ثم أعقب ذلك الغزو الصدامي ليتلوه تكرار التهديدات للكويت، إذا كانت هذه العوامل قد أعاقت في الماضي تطور الكويت، فإن الأجواء الحالية أجواء مشجعة لانطلاقة جديدة.

وبالفعل، فمنذ سقوط نظام صدام حسين في التاسع من أبريل للعام 2003 والكويت تشهد نهضة عمرانية ونشاطاً اقتصادياً محموماً يذكرنا بمرحلة أوائل الستينات من القرن الماضي. ولاشك أن هذه الانطلاقة بحاجة إلى قوانين مرنة كقانون دعم العمالة الوطنية وغيرها.

إن القطاع الخاص النامي الذي تعول عليه الحكومة ليكون رافداً للاقتصاد الوطني ومجالاً يمتص فائض العمالة الوطنية، إن هذا القطاع سيتأثر بشكل سلبي ومباشر من هذا القانون الذي يمنع عمل النساء بعد الثامنة مساءً إلا في وظائف نادرة تستوجب استثناءً من وزارة الشؤون.

فحسب دراسة وضعتها وزارة التخطيط في يوليو 2007 تحت عنوان: الملامح الأساسية للعمالة الوافدة في القطاع الخاص وفقاً للحالة في 30/6/2006 فإن أكثر من مليون وعشرة آلاف وافد يعملون في القطاع الخاص، أكثر من 36% منهم من الدول العربية (366631 وافداً عربياً) وتقريباً 62% من دول آسيوية (625486 وافداً آسيوياً). أما عدد النساء من الجنسيتين ( وهما الجنسيتان الطاغيتان ) فمجموع العربيات يصل إلى 17971 في حين أن تعداد الآسيويات هو 40641 أي بإجمالي 58612 عاملة.

وإذا كان هذا العدد لا يشكل نسبة كبيرة في مجموع العمالة الوافدة في القطاع الخاص إذ لا يصل حتى إلى الستة بالمئة، فإن دوره مهم في هذا القطاع بالذات في النشاطات التجارية الصغيرة كمحلات النوفوتيه وغيرها، التي يعتاش عليها قطاع واسع من المواطنين ومن المقيمين على حد سواء.

فأكثر من عشرة آلاف من النساء يعملن في قطاع البيع، و13673 من النساء يعملن بالخدمات من قبيل العمل في المطاعم بالذات مطاعم الوجبات السريعة وغيرها. ونفس العدد تقريباً يعملن في المهن العلمية والفنية، كالأعمال الطبية والمختبرات والتدريس وغيرها.

وغالبيتهن من المحصنات، فنسبة المتزوجات منهن تفوق الثمانين بالمئة. ولعل هذه الحقيقة تدحض المبررات الأخلاقية التي كانت وراء استصدار القانون والتي تنص على حمايتها والحرص على عدم استغلال أنوثتها في الأعمال الضارة بالأخلاق بما لا يتفق مع الآداب العامة.!!

واللافت من القانون إن به تمييزاً ضد المرأة في ميدان العمل، وهو ما تحرمه الاتفاقيات الدولية كاتفاقية العام 1994 بهذا الخصوص، والتي تلزم الدول باتخاذ المناسب من التدابير سواء كانت تشريعية أو غيرها بما في ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة. واللافت أيضاً أن دولة الكويت قد وقعت على تلك الاتفاقية في العام 1997. ولذلك فإن مراجعة القانون ضرورية لتنقيحه وصياغته بالشكل المقبول والذي يزيل أي تمييز بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية التي أقرتها دولة الكويت.

ولعلنا بحاجة أيضاً إلى تفعيل دور الحكومة في عملية ترشيد القوانين التي يقترحها النواب، فالحكومة تمتلك مستشارين قانونيين واقتصاديين وغيرهم مما يؤلها لتقويم اقتراحات المشرعين من النواب، وغربلة تلك الاقتراحات لتخرج بالصيغة المقبولة دولياً وبمحتوى يؤدي إلى تحقيق أهداف عملية الإصلاح التي يرفع شعارها رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد.

ونحن بحاجة أيضاً إلى رأي عام مستنير لا يجرى وراء الشعارات ولا تدغدغ عواطفه بعض الصياغات اللغوية البعيدة عن الواقع. ونحن فوق هذا وذاك، بحاجة إلى تنشيط دور المجتمع المدني في عملية التشريع والرقابة، ولنا في ذلك سوابق كثيرة، أثر فيها نشاط وفاعلية المجتمع المدني في تغيير بعض القوانين أو إحباط بعض الاتفاقيات وغيرها.فلنتحرك جميعاً من أجل بناء مجتمع كويتي عصري يجاري ما يدور في عالم اليوم من تطورات.