سألتني إحدى الأخوات الصحافيات عن حال اللغة العربية في مجتمع الإمارات، وقد بدأت حديثها بنتيجة حاسمة هي أن اللغة العربية في الإمارات إلى زوال حتماً، مستدلة على نتيجتها بواقع الحال الديمغرافي السكاني الذي لا يخدم العربية بقدر ما يكرس لغات أجنبية أولها الإنجليزية وثانيها الأوردية وثالثها..، وعلى ضوء استنتاجها فإننا بعد زمن ليس بالطويل سنكون حيال مجتمع لا يتحدث العربية إطلاقاً!

وبرغم علمي بواقع الحال، ومتابعتي اللصيقة بخلل التوازنات السكانية والثقافية في مجتمع الإمارات، إلا أن الاعتراف بوجود أزمة حقيقية شيء، ورفع راية الهزيمة والاستسلام أمام هذا الواقع المختل شيء آخر مختلف تماماً.. عن نفسي لا أحب الهزيمة ولا أبشر بها ولا أعترف بها.

ولذلك قلت للأخت الصحافية بأنه حتى وإن بقي 100 شخص يتحدثون العربية فإن عليهم أن لا يستسلموا لأن كل المقومات لصالحهم، فالأرض عربية والتاريخ عربي والجغرافيا عربية، والماضي، والدستور والمنطق.. هذا ما يجب أن نؤمن به، ولكن بشرط..

لست مع الحالمين النائمين، لكنني مع الحالمين العاملين.. كل المشاريع الكبرى التي تحققت على أرض الواقع كانت في لحظة ما مجرد حلم.. من حقنا أن نحلم ولكن لابد من العمل على تحقيق الحلم، من حقنا أن نسعى ولكن ليس شرطاً أن نحقق كل شيء دفعة واحدة.. والأهم من ذلك كله أنه لا حلم يتحقق دون استراتيجية وتخطيط واستعداد.. وما دمنا نملك الحلم فهل نملك قواعد وأسس المشروع؟ هذا هو السؤال المهم.

واقع الحال يدفع لليأس بشأن اللغة العربية سيادة واستمراراً، ولكن ماذا عن المنطق، المنطق الذي يقر بأن شعب هذه المنطقة جزء من الأمة العربية ـ مهما صغر هذا الجزء عدداً ـ واللغة العربية واحدة من أهم المكونات الثقافية والنفسية لهذه الأمة.. وإذا ما سقط هذا المكون فليس لهذا السقوط سوى معنى واحد.. انتهاء الأمة أو هذا الجزء من الأمة أو اختلال توازنه النفسي والثقافي وتدريجياً اضمحلاله.. وهذا ما يرفضه كل القابضين على شأن الهوية الثقافية ومكونها الأهم: اللغة العربية.

هناك تحديات في مجتمع الإمارات أخطر من تلك الموجودة في مصر أو سوريا أو فلسطين أو.. هناك تحد ديمغرافي خطير، وهناك مشروع عولمي اقتصادي كاسح لا يهمه أمر المكون الثقافي بقدر ما يهمه أمر الربح المادي.. ومع ذلك فإن وجود مشروع يتصدى لاستمرار الخلل فيمنعه أو على الأقل يحد من تفاقمه، أمر ضروري جداً.. فهل هناك مشروع من هذا النوع؟

نعم هناك دعوات لحماية اللغة العربية، هناك برنامج تلفزيوني، هناك جمعية لحماية اللغة ومحاضرة أو محاضرتان، هناك أشخاص مخلصون يدافعون عن ما تتعرض له اللغة من انهيارات في مواجهة الطوفان الأجنبي الخارجي أو الإهمال الداخلي وتحديات العولمة الثقافية والاقتصادية.. لكن هل هذا يكفي لبقاء العربية صامدة؟

كل مؤشرات الخوف والحرص على اللغة غير كافية، وغير قوية بما يكفي، وغير جدية كما يجب برغم إخلاصها.. ذلك أنه في مقابل الدستور الذي يقر بأن العربية هي لغة الدولة، وفي مقابل التصريحات الرسمية بأهمية اللغة والحفاظ على الهوية و... فإن هناك مشروعاً مضاداً يضرب هذا كله وفي الصميم، حين يجعل اللغة الرسمية الأولى في الجامعة الوطنية الأولى للدولة هي الإنجليزية..

وحين تكون لغة المعاملات الرسمية في المؤسسات والدوائر هي اللغة الإنجليزية.. وحين يطالب المعلم ومدير المدرسة بضرورة معرفة الانجليزية كشرط لبقائه في وظيفته وحين.. وحين... عندها تلتبس الأمور تماماً ويصير المستقبل برهن إشارة العولمة!

ayya-222@hotmail.com