قبل ثلاث سنوات مضت أصدرت محكمة العدل في لاهاي قرارها الشهير باعتبار «جدار الفصل» جداراً عنصرياً غير شرعي، وطالبت بوقف بنائه على الفور. وقد شكل قرار محكمة العدل الدولية انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً كبيراً للقضية الفلسطينية، وأبرز من جديد أهمية ودور الحركة السياسية داخل المجتمع الدولي وهيئاته المعنية في سياق الصراع مع الاحتلال التوسعي الإسرائيلي.

وأكسب الفلسطينيين في أضعف الحالات حضوراً معنوياً مؤثراً على الصعيد الدولي، جعل دولة الاحتلال عاجزة عن أن تقف أمام الرأي العالمي الذي احتفل قبل عقد ونيف من الزمن بزوال آخر جدران الفصل بين شعبي ألمانيا، وفي جنوب إفريقيا عام 1991 مع انتصار حزب المؤتمر الإفريقي، وانتصار مبدأ المساواة، وسقوط مبدأ العزل بين سكان ومواطني إفريقيا الجنوبية من السود والبيض على حد سواء.

وبعد مرور هذا الوقت على صدور القرار مازالت الدولة العبرية الصهيونية تواصل استكمال بناء الجدار بطول يقارب (700) كيلومتر، والأدهى من ذلك أن بعض الأفكار الإسرائيلية الجديدة بدأت تطل بنفسها مقترحة بناء جدار آخر يفصل شرقي الضفة الغربية عن غور الأردن، ليصبح كامل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية مطوقاً من جميع الجهات بجدار الأبارتهايد الصهيوني.

وفلسفة الجدار تقوم من الوجهة الصهيونية على الاعتبارات الأمنية المزعومة أولاً، وعلى الخوف المفتعل من ما يسمى التحول الديمغرافي والنمو السكاني الفلسطيني الكبير داخل الضفة الغربية في ظل ثبات ميزان النمو السكاني داخل الدولة العبرية. وفي حقيقة الأمر فان الوقائع السكانية داخل إسرائيل تشير إلى اكتظاظ سكاني صهيوني حول المدن الثلاث الكبرى (القدس، تل أبيب، حيفا) مع تراجع هائل في التوزع السكاني على باقي الأراضي المحتلة عام 1948.

وبشكل أدق يمكن القول بأن اليهود داخل فلسطين المحتلة يقيمون عملياً فوق (12%) فقط من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948 عدا المستوطنين في محيط القدس والضفة الغربية، وتعتبر باقي الأراضي الفلسطينية مواقع عسكرية وأراضي تملكها هيئة أراضي إسرائيل بفعل الأمر الواقع. ولكن أين الصورة المقابلة من الوضع الديمغرافي للدولة الصهيونية؟

تشير الأرقام المستقاة من المصادر الرسمية الإسرائيلية إلى أن أعداد السكان اليهود في إسرائيل سجلت منذ مطلع سنوات تسعينيات القرن الماضي، نسبة عالية من الزيادة بفعل الهجرة الاستيطانية التوسعية الكبيرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

حيث أثرت هذه الهجرة على نسبة السكان/ المستعمرين من اليهود على أرض فلسطين التاريخية بنسبة (4, 29%)، بينما كان الارتفاع العادي (الزيادة الطبيعية + الهجرة القادمة) لا يتعدى (8, 1%) سنوات الثمانينات. ومؤخراً مع نضوب الهجرة من المناطق المذكورة، ارتفع عدد اليهود بوتيرة (6%) في عام 1997 أي (86) ألف نسمة (40% نبع من الهجرة و60% من التكاثر الطبيعي).

وأفاد تقرير سابق نشره المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي بأن الهجرة إلى إسرائيل شهدت انخفاضاً كبيراً في السنوات الأخيرة قياساً لما سبقها من أعوام.

ويعود انخفاض الهجرة إلى عدة عوامل:

ـ نفاذ الخزان البشري في الاتحاد السوفييتي السابق. حيث انخفض عدد اليهود في هذه البلدان من 45,1 مليون خلال العام 1989 إلى 400 ألف بسبب الهجرة الجماعية الكثيفة لاسيما إلى إسرائيل والى بلدان أخرى وبالدرجة الأولى إلى ألمانيا، وكذلك بسبب تقدم هذه الفئة من السكان في السن.

ـ تدهور الحالة الأمنية داخل إسرائيل خصوصاً منذ اندلاع الانتفاضة.

ـ الأزمة الاقتصادية.

وفي هذا المجال يمكن الاستئناس بالمعلومات التالية الضرورية للباحثين والمتابعين وأصحاب القرار عن تخوم الخارطة الديمغرافية للكيان العبري الصهيوني في عام قياسي هو العام 2005. ففي التقرير الإحصائي لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي وفق معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي فان عدد سكان الدولة العبرية بلغ منتصف مايو 2007 ما مجموعه (000 ,150 ,7).

مرتفعاً عن عام مضى بمعدل (8 ,1%) أي بزيادة رقمية بلغت (124 ألف نسمة). وجاءت معظم الزيادة من الزيادة الطبيعية (المواليد الجدد - الوفيات)، فقد ولد في السنة الماضية نحو (148) ألف، بينما وصل إلى فلسطين المحتلة من المستوطنين (400 ,18) مستوطن. ومنذ تأسيس الدولة العبرية ازداد عدد السكان بشكل عام (اليهود + العرب + المستعمرين القادمين) (9, 8) ضعفاً.

حيث كان عدد السكان في العام 1948 (806) ألف نسمة فقط، ثلثهم لا يزال يعيشون في إسرائيل اليوم بينما غادر الباقي إلى أصقاع الأرض، خصوصاً نسب غير قليلة من المستعمرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق الذين اتخذوا من القدوم إلى الدولة العبرية الصهيونية نقطة تحول نحو الهجرة إلى الولايات المتحدة وكندا.

يشكل اليهود اليوم في الدولة العبرية بما فيهم المستوطنون في مستعمرات الضفة الغربية والقدس الشرقية (80%) من السكان، أي (000,725 ,5) نسمة (منهم 310 ألف من المستوطنين المستعمرين القادمين غير مسجلين كيهود في وزارة الداخلية الإسرائيلية.

ومعظمهم من دول جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق)، ونسبة (20%) من السكان هم من العرب الفلسطينيين الذين بقوا صامدين على أرض فلسطين المحتلة منذ نكبة العام 1948، ويصل عددهم إلى (000 ,425 ,1) نسمة بما فيهم المواطنون العرب الفلسطينيون من أبناء مدينة القدس بقسميها الشرقي والغربي.

ومن ناحية التوزع الجغرافي البشري، يلحظ أن معظم الإسرائيليين يسكنون في المدن الخمس الكبرى (القدس، حيفا، تل أبيب، ريشون ليتسيون/ عيون قاره، أسدود) حيث يتجاوز عدد سكان كل واحدة منها (200) ألف نسمة، وربع السكان في إسرائيل (81, 1 مليون نسمة) يسكنون فيها.

بينما يبلغ عدد سكان القرى في الدولة العبرية (582) ألف نسمة، أي بنسبة (8%) من إجمالي السكان. ويعيش في الكيبوتسات (120) ألف نسمة، بنسبة تعادل (2%) من السكان، مقابل (6%) عند قيام الدولة الصهيونية على أنقاض الأرض والشعب الفلسطيني.

وحسب استطلاعات معهد «جيئو» من مجموعة «غيئو كارتوغرافيا» في أوساط الإسرائيليين فان (70%) من المستوطنين الروس القادمين إلى فلسطين المحتلة يتمنون لو أنهم ولدوا وعاشوا في مكان آخر غير إسرائيل. من بينهم (19%) يرغبون في العودة إلى روسيا ونسبة (15%) يفضلون العيش في الولايات المتحدة. وفي أوساط الطبقة المتوسطة فان نسبة (62%) يفضلون لو أنهم ولدوا وعاشوا في خارج إسرائيل. من بينهم (14%) يفضلون العيش في الولايات المتحدة ونسبة (8%) في سويسرا ونسبة (6%) في السويد ونسبة (4%) في كندا.

كما أن (59%) من المتقاعدين يتمنون لو أنهم ولدوا وعاشوا في دولة أخرى، واختار (12%) منهم الولايات المتحدة و(9%) فضلوا العيش في سويسرا و6(%) في أستراليا و(6%) في إيطاليا، وحوالي (3%) فضلوا نيوزلندة. وفي الوقت نفسه فان نسبة (58%) من الفقراء في إسرائيل يفضلون العيش في الخارج بدافع الأوضاع الاقتصادية الخانقة. و(52%) من الأغنياء الذين يتربعون في أعلى قمة الهرم الاقتصادي في إسرائيل يرغبون بالعيش في الخارج ويفضل معظمهم العيش في الولايات المتحدة وكندا.

ومقابل ذلك يفضل المتدينون الذين يصنفون في خانة «المتدينين الوطنيين» العيش في إسرائيل، حيث أشارت نتائج الاستطلاع المشار إليه بأن (83%) منهم كانوا يتمنون أن يولدوا ويعيشوا خارج إسرائيل.

كاتب فلسطيني ـ دمشق