من جديد يمتلئ الفضاء العربي بأخبار لبنان، حيث تتجدد ذكرى حرب تموز (يوليو) من العام الماضي، حرب الثلاثة والثلاثين يوما. ليس من المناسب هنا الحديث عن الانتصار وعن الهزيمة، فقد أشبع هذا الموضوع بحثا على صفحات الصحف العربية والأجنبية وحتى الإسرائيلية، وكان لكل موقفه التحليلي. المطلوب اليوم هو الحديث عن (الحرب الباردة اللبنانية) التي تدور رحاها تقريبا منذ عام، والتساؤل الملح متى سوف تتحول إلى حرب ساخنة يستنزف فيها الدم اللبناني؟

أرجو أن لا أكون متشائماً، إلا أن كل الإشارات تقول إن لبنان مقدم على حرب بشكل ما، ربما تكرار ما هو قائم اليوم في بغداد، إن لم يكن أسوأ.ما هي الإشارات التي تدعو الكاتب إلى أن يصل إلى تلك النتيجة؟ إنها إشارات كثيرة وواضحة على الأرض أهمها خمس:

أولا: الحرب التي مضى على توقفها عام كامل، لم تكن انتصارا لإسرائيل، هذا مؤكد بالعقل وبالشواهد، أي أن هدف إسرائيل من اقتلاع حزب الله من الساحة اللبنانية قد فشل. ومن جهة أخرى لم تكن انتصارا باهرا لحزب الله، بمعنى التأثير النهائي على إسرائيل لتحقيق بعض المطالب اللبنانية (إطلاق الأسرى، وتحرير ارض شبعا) أو العربية (التحرك باتجاه الجولان أو حتى القضية الفلسطينية).

بمعنى أكثر وضوحا، إن حرب العام الماضي لم يخرج منها منتصرا أي من الطرفين بشكل قاطع، وهنا تكمن المعضلة الأولى في المشهد الدرامي اللبناني، لان أسوأ أنواع الحروب تلك التي لا يكون فيها خاسر بين ولا رابح بين. إنها حروب تستدعي المخاتلة في الداخل كما فعل حزب الله بالارتداد إلى الداخل، وكما فعل التحالف الإسرائيلي الحاكم أيضاً بالارتداد إلى الداخل. إنها نوع من الحروب التي تؤسس لحروب أخرى، حيث يعتقد كل طرف أن هناك (شيء ما لم يكتمل) يجب إكماله، لإنقاذ صورته السياسية.

ومن هنا فان الوضع اللبناني يشكل مخاطرة حقيقية في احتمال اندلاع صراع جديد، رغم كل الضغوط الدولية التي تحاول تأجيل ذلك. لا احد يعرف الآن كيف يمكن أن تستكمل الحرب المنقوصة، كل ما هو معروف أنها حرب ناقصة، قد يجد طرف أو أكثر من المتحاربين أو حلفائهم، أن زمن إكمالها قد أزف، قد يكون هذا الطرف لبنانياً أو إسرائيلياً، أو إقليمياً أو دولياً.

ثانيا: الوضع الداخلي اللبناني مكهرب بشكل حاد، ويحتاج فقط إلى صاعق للتفجير، فالرأي العام اللبناني منقسم بشدة نحو تيارين لا ثالث لهما يمكن وضعهما باختصار في تيار المعارضة وعلى رأسه حزب الله، وتيار الموالاة وعلى رأسه تيار المستقبل (الحريري)، هذا الانقسام لمن يزور بيروت هذه الأيام مخيف إلى درجة انه يسري القشعريرة في الجسم، فإن حدث وركبت سيارة أجرة مع آخرين سوف ترى مدى التحشيد المرضي والطائفي الطاغي في الشارع اللبناني من حديث الركاب أو السائق.

واقل القليل الذي يقال عن الطرف الآخر أنهم (خونة) و(متآمرون) وان لبنان سيكون أفضل كثيرا دونهم. وهو أمر تسمعه من الناس البسطاء الذين يلومون الطرف الآخر على كل المآسي اليومية التي يصادفونها وهي ليست قليلة، ولا اعتقد أن السياسيين اللبنانيين، وهم يخوضون حروبا إعلامية وكلامية يوميا في الصحف وفي محطات التلفاز بغافلين عن هذا التسونامي المتعاظم في الشارع اللبناني الذي يكاد ينطلق هديره إلى عنان السماء.

يزيد من ذلك (الشبق الأمني) للقوى السياسية التي تخزن السلاح وتفرقه على المتحازبين استعدادا ليوم عصيب لا بد انه قادم، وهذا الشبق يصادف الزائر العابر، فأنت معرض للتوقيف والمساءلة من أناس مدنيين يتوجسون منك خيفة، وعلى الاهبة للتصرف بكل أشكاله، بسبب كل هذه التعبئة الكلامية الساخنة.

ثالثا: الزمن، وهو سيف بتار في الموضوع اللبناني، فهناك استحقاق رئاسي قادم خلال بضعة أشهر، وكل يوم يمر يقرب اللبنانيين من حقيقة أنهم يبتعدون عن التوافق حول الرئيس الجديد ويقتربون من الاحتراب، بل إن البعض يهدد على رؤوس الأشهاد، إن لم يكن شخص بعينه يتولى سدة الرئاسة فإنهم سوف يقلبوا الطاولة (الوطن اللبناني) على رأس قاطنيه.

رابعا: اتهام الأطراف لبعضها أن هذا (عميل لأميركا) وذاك (عميل لإيران) ونفي الاثنين لمثل هذه الاتهامات، عملية مضحكة، ومسرحية يمكن الفرجة عليها. لأن علاقة بعض الأطراف بسوريا وبإيران واضحة كل الوضوح، ومعروفة دوافعها، وعلاقة أطراف أخرى بالولايات المتحدة والغرب واضحة أيضاً لا تحتاج إلى إثبات ومعروفة دوافعها.

الخلاف هو أين الوطني منها وأين غير الوطني!! كلا الطرفين يعتقدان أنهما بعلاقتهما الإستراتيجية مع أطراف خارجية، يخدمان (الوطن اللبناني). المهمة العربية، رغم حماس عمرو موسى، ورغم الخوف الحقيقي على لبنان، لا تأتي بأية ثمار، إنها فقط عملية علاقات عامة لا أكثر.

خامسا: إذا تحولت الحرب الباردة اللبنانية إلى حرب ساخنة فمن الخاسر؟ حقيقة الأمر لن تخسر لا الولايات المتحدة ولا إيران من هكذا حرب وهما الطرفان الأهم في صراع لبنان. الخاسر الأكبر هو الأطراف اللبنانية. وقتها سيكون لدى إسرائيل ذريعة (إتمام حرب لم تتم) والخروج بأفضل النتائج من وجهة نظرها.

وسيكون لدى الأطراف الدولية فرصة تاريخية لتصفية الحسابات بينها على الأرض اللبنانية، كما أن المتوقع، كما حدث في حرب السبعينات في القرن الماضي في لبنان، أن يخرج على الساحة السياسية اللبنانية لاعبون جدد مختلفون عن ما هو قائم، ويغيب كثيرون من الساحة السياسية، هي تلك لعبة الحرب قواعدها.واقع صورة لبنان على هيئة إقليمه قاتمة، إلا أن الأكثر قتامه أن اللاعبين الأساسيين في الداخل اللبناني لا يريدون أن يروا تلك القتامة.

كاتب كويتي