لا تدق البلدان ولا الشعوب طبول الحرب والتهديد وإثارة البلبلة، وتصدير العبارات المبطنة والمعلنة، لدولة في الجوار، بدون معنى، اللهم إلا إذا كانت هناك نوايا عدوانية مبيتة، وهي لا تزال تهيمن على الحلقة الضيقة من نخبة الحكم، وانتعاش اتجاه متشدد، وأكثر تطرفاً في تيار المحافظين، إذ تحاول هذه الحلقة المتنفذة، بين الفينة والأخرى، بتنغيم لحن التدخل وبتكرار استعادة محافظتها السليبة، وبأنها قادرة على ابتلاع الموس البحريني الصغير، من خلال التدخل في الشؤون الداخلية أو التلويح بمنطق القوة.
متناسياً سيادة مستشار المرشد، والذي نرى انه في موقع استراتيجي وحيوي، وقريب من السلطة والدبلوماسية الإيرانية، مما يعني لنا أن ما تفوه به، ليس مجرد تشنج عابر، ناتج عن بيان وزاري خليجي، بحيث تحركت المياه الراكدة في البحيرة الإيرانية المجاورة للبحرين، والمتشاطئة مع بلدان مجلس التعاون.
حيث هناك ملف الجزر الإماراتية الثلاث، تشكل مأزقاً قانونياً في المجتمع الدولي للجمهورية الإسلامية باعتبارها جزراً محتلة، ومن حق أسيادها الشرعيين المطالبة باسترجاعها، عبر كل الأشكال والأعراف الدولية، طالما أن طرفي النزاع أعضاء في الأمم المتحدة.
فلماذا استشاط المستشار غضباً على احد أعضاء دول مجلس التعاون، معتبراً إياها محافظة من محافظاته؟ ولماذا هذا التوقيت؟ ولماذا يعبث المستشار بأوراق قديمة حسمت مسألتها، ولا ينبغي العودة إليها أبداً؟
ويخطئ المستشار حينما يرى كل عضو على انفراد في مجلس التعاون، والذين يرون جميعا كيانهم كوحدة سياسية إقليمية، وإن المساس بحقوق أي عضو منها مساس بالآخرين وان هذا التكتل الإقليمي هو جزء من تكتل عربي أوسع، وليس كما يتوهم سيادة المستشار، بأن للبحرين وضعاً مختلفاً في ذهنية السياسة الإيرانية الجديدة - القديمة، وهي نزعة اتسمت بالتوسعية.
وتحريك المشاعر القومية تارة والمذهبية تارة أخرى، كلما مرت بمأزق داخلي وضغوط خارجية، فما يبعثه المستشار من خطاب سياسي للداخل، يتماس مع المشاعر القومية والكبرياء القومي، مثلها مثل الملف النووي المضطرب، حيث الادعاء المتكرر، أن المحافظة الإيرانية البعيدة تم قطعها من إيران الأم بالتآمر بين بريطانيا والشاهنشاه. هكذا يحاول شريعتمداري التلاعب داخلياً بذهنية جيل شاب غض التجربة، وولد بعد استقلال البحرين 1971 وبعد الثورة الإيرانية.
ودون حجج تاريخية وسياسية، تناسى مستشار المرشد، ابسط أبجديات السياسة في الأمم المتحدة، وقد تم التعارف عليها، فليست سياسة حسن الجوار والعلاقات المتينة بين دول الجوار وحسب مهمة، بل واحترام السيادة أيضا مسألة جوهرية، إذا عرفنا أن ما يتم التصديق عليه دوليا، لا يمكن العودة إليه بنغمة قديمة، سمعناها بل ومللنا منها، لكونها لا تتعدى لعبة الابتزاز السياسي، من شخصيات يعتقدون أن لهم الحق، أن يتصرفوا كقوة إقليمية بحق جيرانهم، كيفما يشاءون ومتى يشاءون.
لماذا عاد مستشار المرشد في هذه الفترة بالذات ينقب عن ملفات، تم البت فيها منذ أن حطت أقدام ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للأرخبيل، المتنازع عليه. وبعد استفتاء عام قال الشعب البحريني كلمته في الانتماء والهوية، ودخلت البحرين على ذلك الأساس، عضوا كامل الحقوق في الأمم المتحدة.
بل وصارت إيران تتعامل معها رسميا وضمن اعتراف شرعي، بحقوق ذلك العضو في السيادة على أراضيه الكاملة كدولة حديثة الاستقلال، قرارها ومصيرها بيد شعبها وحكومتها، التي وجدت في الاعتراف بشرعية الحكم، عندما اقسم نواب 73 على احترام الأمير والحكم والدستور. فهل يشك المستشار بولاء شعب البحرين لأرضه وحكومته، مهما مرت بين الشعوب والأنظمة من خلافات واختلافات؟
ما جعل الأوراق مختلطة لدى المستشار، مثل اختلاط عمى الألوان، هو انه لا يفهم، أن المزيج الاجتماعي والثقافي في البحرين، هو نتاج ذلك الموقف التاريخي الواضح، الذي حسمه شعب البحرين دون رجعة، عندما قال بكل وضوح ماذا تعني البحرين شعبا وأرضا. فعلى ماذا يراهن سيادة المستشار عندما قال، إن الناس في البحرين تريدها أن تكون تابعة لإيران وان البحرين محافظة إيرانية؟!
هذا الوهم الدائم والثابت، لدى تيار النزعة التوسعية، والابتزاز السياسي، يرفضه شعب البحرين، بكل نسيجه الطائفي والعرقي والوطني والقومي والإسلامي. فإذا ما قالها مرة قبل أكثر من ثلاثة عقود، أن البحرين بلد عربي، فإنه يقولها الآن مئة مرة، إن البحرين الجديدة في عهد الإصلاح وتوجهات الملك، تعرف خياراتها، وتعرف كيف تعامل مواطنيها وشعبها، فلا ينبغي أن تختلط الأوراق لدى المستشار، بين علاقة النظام بشعبه وعلاقة الشعب بأرضه وقيادته، طالما أن هناك خطوطاً حمراء، نستوعبها بإنسانية وطنية عميقة، بين كافة أبناء شعبنا دون تمييز.
فهل يراهن المستشار على نفسه بالتصويت والاستفتاء مرة أخرى، أم نحتاج أن نوقظ له ذاكرته، بأن ونسبير جويشياردي الممثل الشخصي للامين العام (يوثانت) في الأمم المتحدة، جاء في التاسع والعشرين من مارس عام 1970، حيث رحبت البحرين قيادة وشعبا بالبعثة ونتائجها، فبعد التقصي وجمع المعلومات، وفي الحادي من مايو من العام نفسه، عرض الأمين العام، تقرير ممثله الشخصي على مجلس الأمن الدولي، للمناقشة وإصدار القرار.
فهل يريد المستشار أن نسمعه ما قالوا في ذلك الاجتماع، أم أن ذاكرته مصابة بالنسيان، ولكن ذاكرة التاريخ حاضرة كالأمس القريب. فقد جاء في البند الثاني من التقرير، «يرحب المجلس بالاستنتاجات والنتائج، التي توصل إليها التقرير، وخاصة تلك التي تؤكد بأن الأغلبية الساحقة من الشعب البحريني، ترغب في أن تنال الاعتراف بذاتيتها، ضمن دولة مستقلة .
وذات سيادة تامة حرة، وبحيث تقرر بنفسها، علاقاتها مع الدول الأخرى»، عند التصويت على ذلك القرار في مجلس الأمن، يا سيادة المستشار نال القرار المصادقة بالإجماع. فلماذا تنبشون في أوراق الدول الصديقة لكم ولشعبكم، متناسين أن مصائر الشعوب ليست لعبة سياسية، ومزاجاً سياسياً متقلباً، تنبعث منه روائح لا يحبها جيران حقيقيون، يؤمنون ببناء الثقة المتبادلة بين الدول والشعوب. رهانك خاسر كأوراق الشاه القديمة، فما جدوى أن تكون أفكار الثورة عدوانية مع جيرانها؟! فهل نقول أيضاً لا خير في ثورة أفكارها توسعية!
كاتب بحريني