الاحتلال بشكل عام والإسرائيلي لفلسطين بشكل خاص، كان ولا يزال وسيظل الأساس لجل المشاكل السياسية المستعصية في المنطقة وتبعاتها. لم يستطع العالم فعل ما يكفي للحد من استمرار الاحتلال الإسرائيلي أو التخفيف من وطأته وأخطاره بسبب الدعم الأميركي القوي له تحت مبرر الحفاظ على الأمن والوجود الإسرائيلي في المحيط العربي المقاوِم للاحتلال.

يمعن الاحتلال الإسرائيلي في توسيع ظاهرة استيطان الأراضي العربية المحتلة، وهو أي الاستيطان أكثر الأعمال قبحاً وهمجية ووحشيةً وانتهاكاً لحقوق الإنسان الوطنية والقوانين الدولية. لم تكتف إسرائيل بالاستيطان المدعوم مادياً وسياسياً وعسكرياً من قبل الولايات المتحدة حين ذهبت إلى أبعد من ذلك ومارست الإرهاب بكل أشكاله ضد شعب مشرد أعزل، في معظمه أصبح يتخذ مخيمات اللاجئين في الداخل والشتات ملاذاً دائماً له.

لا يخفي السياسيون الأميركيون تأييدهم للدولة العبرية حتى من منطلقات عقائدية خرافية بائدة من مثل «استعجال الرب ببعث المسيح المنقذ المنتظر عن طريق إيقاع أقصى الظلم والجور والكوارث على الآخرين». هنا وجدت السياستان، الأميركية والصهيونية الإسرائيلية، المتوافقتان سياسياً وعقائدياً وطريقة عمل، وجدتا ضالتهما في اتخاذ الفلسطينيين كبش فداء ظهور السيد المسيح مرة أخرى فوق أنقاض الأخيرين!.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 المثيرة للجدل لم تكتف الإدارة الأميركية بلعب دور الحاضر الغائب في تطبيق السياسة الإسرائيلية التي تتخذ من ثلاثية «الاحتلال والاستيطان والإرهاب» كاستراتيجية وتكتيك لتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة. قامت الإدارة الأميركية باستعمال القوة الغاشمة لاحتلال دول وضرب شعوب أخرى بالحديد والنار بنفس الطريقة الهمجية الإسرائيلية المعهودة في التعامل مع الآخرين.

بالذات قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق بهدف إقامة قواعد دائمة تنطلق منها للاستحواذ على خيرات المنطقة وإخضاع شعوبها لسياستها الإمبريالية. هذه الخطوة تشكل مقدمة لاحتلال المنطقة، في حالة أشبه ما يكون بما حدث في التاريخ الأميركي القديم حين استوطن الأوروبيون البيض القارة الأميركية واستولوا على خيراتها من أهلها الأصليين. لا يقل الأمر سوءاً في أفغانستان المحتلة حيث الخطوة الأولى إيجاد موطئ قدم احتلالي يخدم الشركات البترولية ويتخذ الإرهاب سياسة لتحقيق الأهداف القريبة والبعيدة المدى.

اللافت للنظر في المعايير الأميركية «الميدانية» هو الميل نحو تشريع سلوكيات الاحتلال والاستيطان والإرهاب الأميركي الإسرائيلي، واعتبار الضحية ومقاومة الطرف الآخر لهذه الثلاثية المرعبة إرهاباً مشيناً تقوم به الشعوب تحت الاحتلال. في هذا الاتجاه اعتُبرت المقاومة الأفغانية من وجهة النظر الأميركية «طالبانية قاعدية إسلامية متخلفة إرهابية»، والمقاومات العراقية واللبنانية والفلسطينية لا تقل جميعاً عن بؤس نعوت في الإرهاب والتطرف.

أما البطش والإرهاب واحتلال البلدان للسيطرة على خيراتها فتلك أعمال شرعية تقتضيها ضرورات الدفاع عن النفس! لتغيير الرأي العام الدولي نحو «الاحتلال والاستيطان والإرهاب» يذهب أكثر من خمس سكان العالم وجلهم من العرب والمسلمين ضحية مباشرة لهذه السياسة الخرقاء.

من المؤسف حقاً أن يقف العالم مكتوف الأيدي بل مشلولاً أمام صلف الإدارة الأميركية ضد الدول والكيانات الضعيفة المنهكة اقتصادياً وعسكرياً وجبهةً داخليةً، كما حدث حتى الآن في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين والقرن الأفريقي.

ومن المؤسف أيضاً أن تصبح أميركا التي تمارس الاحتلال وتشجع الاستيطان والإرهاب الإسرائيليين، تصبح الراعي الحقيقي للسلام وتتبوأ لنفسها مكانة شرطي الأمن والسلام الدولي. تستعين السياسة الأميركية بوسائل الإعلام وأبواق الدعاية القوية المنتشرة في محاولة التنصل من صفات الاحتلال والاستيطان والإرهاب وإلصاق تلك الجرائم بضحايا تلك السياسة.

لا تمانع الولايات المتحدة في اعتبار فلسطين أراضي إسرائيلية والاحتلال ما هو إلا وجود عرب فلسطين فيها متبنيةً النظرة الصهيونية الصرفة. ولا تمانع في دفاعها العنيد عن إسرائيل اعتبار الاستيطان الإسرائيلي شرعياً وسلمياً وحضارياً في حين تعتبر التواجد العربي فوضى وتخلفاً وإرهاباً.

تبعاً لذلك فإن أعمال المقاومة الفلسطينية أو العربية تصبح إرهاباً ويصبح الإرهاب الإسرائيلي دفاعاً مشروعاً عن النفس. أسر جندي إسرائيلي لدى المقاومة الفلسطينية عمل إرهابي جبان، يقابل ذلك احتجاز أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في ظروف اعتقال إرهابية وحشية تعتبره الإدارة الأميركية عملاً مشروعاً وبطولياً ضد إرهابيين!

المشاهد الأخيرة القادمة من المعابر الحدودية بين غزة ومصر تقشعر لها الأبدان، حيث قمة الممارسات الهمجية الناجمة عن النزعة الاحتلالية الاستيطانية الإرهابية لدى إسرائيل المدعومة أميركياً. في الوقت نفسه تنشط الحملات الإعلامية لتحميل العرب مسؤولية تلك الأعمال حتى بعد ممارستها من قبل إسرائيل على مرأى ومسمع من كافة وسائل الإعلام. لا غرابة في ذلك طالما بقي رد الفعل العربي والدولي من التواضع المهين بمكان.

حتى أن القادة العرب يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يصرون على مواصلة إسداء النصح للمقاومة الفلسطينية بالتخلي عن سلاحها البسيط في وجه السلاح الإسرائيلي المتفوق. تبعاً لذلك التخاذل أو الضعف الرسمي العربي والدولي الواضح ألصقت تهمة الإرهاب بالفلسطيني واللبناني والعراقي والأفغاني في عقر دار كل منهم.

أتت الهجمة العسكرية السياسية الثقافية الإعلامية على أركان واسعة من العالمين العربي الإسلامي، أتت أكلها حين بدأ الإعلام العربي يكرر نفس النعوت الأميركية على المقاومات الوطنية ضد الاحتلال. بدأ الالتباس يدخل في عقول المتابعين في التفريق بين الاحتلال والتحرير وبين الاستيطان وشرعية امتلاك الأرض، وأخيراً وليس آخراً بين الإرهاب والمقاومة. في كل ما ذكر أعلاه يبدو العرب والمسلمون أكبر الخاسرين وتبدو إسرائيل تحقق مكاسب عالية بأرخص التكاليف.

القضية الفلسطينية هي الضحية التقليدية؛ أوقعت الإجراءات الإسرائيلية المرافقة لحرب الإدارة الأميركية على ما يسمى بالإرهاب، أوقعت القضية الفلسطينية برمتها في حالة حرجة. السور الأمني يقضي على أمل الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة، الحفريات الجريئة تحت الحرم القدسي الشريف تشكل إرهاباً معلناً على مئات الملايين من المسلمين عبر العالم، إلى جانب تكثيف الأعمال الهمجية ضد كل ما يمت للفلسطينيين بصلة.

أخيراً أوقعت السياسة الأميركية الطرف الفلسطيني في أتون حرب أهلية مع نفسه بسبب الالتباس المتزايد في التفريق بين الإرهاب والمقاومة، وبين الاحتلال والاستيطان وأهل الوطن الشرعيين. عالمياً يحتدم نقاش إعلامي متزايد لإلصاق مثالب الاحتلال والاستيطان والإرهاب المرافق، إلصاقها بكتل كبيرة من العرب والمسلمين بهدف إحكام ضربة قوية إلى المعتقدات الإسلامية.

كان من الأجدر بالإدارة الأميركية، لو أرادت للعالم خيراً! أن تأخذ بعين الاعتبار تطبيق معالجة حاسمة لجل قضايا المنطقة المزمنة الناجمة عن الاحتلال والاستيطان والإرهاب الإسرائيلية. لكن تذهب الإدارة الأميركية إلى سلوك مسار عقيم يفاقم الأزمات الدولية، وتتمادي بالكذب المتواصل عن نيتها نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتعزيز استقلال الدول والشعوب وحفظ كرامتها.

لا يخفى على أحد أن الإدارة الأميركية بتبنيها السياسة الإسرائيلية تزرع بذور فشلها بيدها، المقاومات الشعبية المتنامية هنا وهناك ستلحق الهزيمة أخيراً بكل أشكال الاحتلال والاستيطان والإرهاب.منذ البداية فإن سياسة حرب الإدارة الأميركية المعلنة على ما يسمى بالإرهاب بدت مثل الإبحار على متن سفينة مثقوبة، يضيف إليها ربانها الأخرق ثقوباً إضافية أخرى صباح كل يوم تبحر فيه السفينة باتجاه الهدف المنشود.

جامعة الإمارات
nasrin@uaeu.ac