يتعامل العرب بشكل عام مع المعلومات الصحيحة بكثير من الحذر، ويتجنبون تماماً أي عمل يؤدي إلى كشف الحقائق، ولذلك فالدول العربية من أكثر الأنظمة التي لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع مراكز الأبحاث ودراسات الرأي، بعكس الدول المتحضرة التي تضخ الملايين في شرايين هذه المراكز لما تقدمه من خدمة مهمة لصانع القرار ولواضع الخطط والاستراتيجيات وللرأي العام بشكل عام، فلماذا نتجنب مراكز دراسات الرأي وأبحاث المجتمع؟

أولاً لأن الرأي العام لا وزن له لدى صانع القرار العربي، بعكس الرأي العام المؤثر في الدول المتقدمة وحتى غير المتقدمة أحياناً. الرأي العام في «إسرائيل» مثلاً بعد عدوان تموز صيف العام 2006 على لبنان، أسقط وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش وبدل في بنية حزب الليكود.

وأحال رئيس الدولة إلى الاستقالة بعد تعرضه لمحاكمة مدوية، هذه «إسرائيل» العدو اللدود للعرب والتي لا نمتدحها إذ نقول الحقيقة، ولكن إقرار الواقع لا يغير في واقع العداوة شيئاً، لماذا ضحت «إسرائيل» بكبار قادتها بعد الهزيمة المدوية لجيشها «الأسطوري» بينما خرجت الجماهير العربية تهتف بحياة من أذاقوها الهزيمة الأسطورية عام 1967؟

استقراءات الرأي العام أطاحت بسمعة الرئيس بوش وأوصلته إلى حضيض القبول والشعبية، لأن الرأي العام ما عاد يطيق مشاهد التوابيت التي يؤدى لها السلام الوطني كل يوم قبل أن توارى التراب، في معارك عبثية في العراق أراد من خلالها بوش أن ينصب نفسه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ العراق والشرق الأوسط من ظلمات الديكتاتوريات المؤبدة، فإذا به يدخلهم في الفوضى والعبث ويجعل من الديكتاتورية مصيراً أبدياً، فهل تكرم مركز أبحاث بتوجيه سؤال واحد للرأي العام العربي يستقصي فيه رأيه في أنظمته وعلاقتها ببوش والولايات المتحدة؟

إن أعظم انتصار حققته الأنظمة العربية في هذا الاتجاه هو هذه الاستفتاءات الإلكترونية التي توضع على الصفحة الرئيسية للصحف والمواقع الإلكترونية لا أكثر ولا أقل، استفتاءات تعنى أغلبها بأحوال الآخرين، الدولة «أ» تستفتي رأي شعبها عبر الإنترنت عن الأوضاع السياسية في لبنان مثلاً.

والدولة «ب» تستفتي رأي قراء جريدتها الرسمية عن رأيهم في مخارج أزمة دارفور، والدولة «ج» تسأل بعض جماهيرها عبر الإنترنت أيضاً عن تصوراتهم حول مصير الاتحاد الإفريقي الذي دعا إليه العقيد القذافي، وهكذا كل يتولى حك ظهر الآخر.

لكن أحداً لا يسأل عما يحدث داخل فناء داره، تلك أمور عظمى لا يجوز للعامة والدهماء الخوض فيها، فدعهم يتسلون بالخوض في مسلسل نهر البارد واشتباكات الأخوة الأعداء في غزة، وليتابعوا آخر مجريات الأمور في كواليس سوبر ستار ونجم النجوم و.. الخ، أما رصد توجهات الرأي العام بجدية وحرص ووضع النتائج موضع الدراسة والمتابعة فهذا آخر ما يفكر فيه صانعو السياسة العربية.

لذلك فإن علينا أن نرضى وحتى إشعار آخر بالديمقراطية الافتراضية على فضاء الإنترنت التي سمحت بها بعض صحف الأنظمة العربية كتمرين أولي يقول إننا ما زلنا سنة أولى حضانة في مدرسة السياسة والديمقراطية!

ayya-222@hotmail.com