يقر الجميع، كتل سياسية لبنانية ومراقبون وكذلك قوى إقليمية ودولية، بأهمية الحوار الجاري بين القيادات اللبنانية في باريس، والذي اعتبر سابقة تعكس في أحد جوانبها نضج القيادات واستعدادها للبحث عن مخرج للنزاع الدائر بين الفرقاء اللبنانيين. فالجهد المبذول في «سان كلو» يمثل إضافة نوعية تتساوق مع الجهود العربية لحل هذه الأزمة وإعادة الأطراف المعنية إلى طاولة الحوار بما يجنب لبنان أزمة سياسية حادة قد تعيده مرة أخرى إلى وضع سياسي وأمني لا أحد من اللبنانيين يرتضيه.

قد يشكل فشل مؤتمر باريس، وهو أمر غير مستبعد، مرحلة أخرى في المعضلة اللبنانية، إذا لم يتم التوصل إلى أبسط الاتفاقات التي تحمي لبنان ومؤسساته وأطيافه الدينية والمذهبية من الانزلاق إلى المجهول.. فإسرائيل لن تكون بعيدة عن المشهد العام، والولايات المتحدة تتحكم بأكثر من خيط، ولن تفرط في تسويق استراتيجيتها للاستفادة من الوضع.

تدرك القيادات اللبنانية المدعوة إلى هذا اللقاء أنه لن ينتهي إلى أي نتائج عملية، لكن كلاً منها أرسل من يمثلها لحضوره لئلا يسجل عليه أنه يرفض الحوار ومبدأ الحوار، حتى ولو أن لا نتائج متوقعة منه، حتى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يقول أمام من يلتقيهم عندما يسألونه عن جدوى هذا الحوار الباريسي: إنه «إذا لم ينفع، فإنه لن يضر». والجانب الفرنسي مقتنع هو الآخر بأن هذا الحوار لن يحقق المعجزة.

ولذا فليست لديه أوهام في هذا المجال، ولكن ما يريده هو أن يؤدي هذا اللقاء إلى حوار لاحق على مستوى قيادات الصف الأول، بعد أن تكون الثقة المفقودة بين الطرفين قد عادت، بدليل ان جان كلود كوسران الذي نقل الدعوات إلى القيادات المعنية كان صريحاً في تحديد الهدف من الحوار، وهو التوصل من خلاله إلى حوار وطني، وانه «حوار من أجل الثقة»، علما بأن فرنسا تريد استعادة حضورها السياسي على الساحة اللبنانية بعدما أصابه ضمور كبير منذ التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989.

ولذلك، فإن فريقاً كبيراً من اللبنانيين لا يعول كثيراً على دور فرنسي فاعل في لبنان يعيد العلاقة التاريخية اللبنانية الفرنسية إلى أوج ازدهارها في ظل عهد الرئيس ساركوزي الذي يوحي من مواقفه بأنه يحرص على إقامة علاقات متينة مع الولايات المتحدة، تماماً كما تفعل المستشارة الألمانية انجيلا ميركل. وإن جُل ما يمكن أن يسفر عنه الحوار اللبناني المقرر في باريس هو أن يؤدي إلى تبريد في الاجواء السياسية الداخلية المتشنجة.

غير أنه ومن خلال النظر إلى مواقف القوى الدولية المعنية بتطورات الشأن اللبناني السوري وتلك التي ساهمت في تنشيط الحراك المهيمن على الحياة السياسية في لبنان، أو بحسب البعض تأليب طرف على طرف لأجل تمرير مخططها. لا يستبعد أن يرشح دور بعض هذه القوى في الحث على مثل هذا الحوار أو اقتراحه كأسلوب لتفادي ما يمكن أن يعنيه تفاقم الأزمة السياسية الراهنة في الداخل اللبناني بعد أن شهدت المنطقة توتراً قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع.

لذلك لن يعدو اللقاء الحواري اللبناني في باريس، أكثر من تغطية لوقت إقليمي ودولي ضائع تريد القوى المعنية تغطيته قبل ان تحدد خياراتها المستقبلية، ويأتي في مقدمة هذه القوى الولايات المتحدة الأميركية التي تخوض مفاوضات علنية وسرية مع كل من إيران وسوريا، وفي الوقت نفسه تدرس مع حلفائها الاقليميين والدوليين ما يمكن أن تتخذه من خطوات بديلة في حال وصلت تلك المفاوضات إلى طريق مسدود.

اللبنانيون اليوم مطالبون قبل أي شيء بتثبيث شرط واحد وصارم يكون سقفاً لمواقفهم وتحركاتهم، وهو ضمان وحدة الصف ووضع الحسابات السياسية جانباً والاهتمام أكثر بمستقبل وأمن بلدهم. بهذا الشرط فقط ستتنفس بيروت الصعداء، وتنقشع الغيوم الكالحة عن سمائها ويستعيد اللبنانيون بلدهم من غمرة الحسابات والأجندات المستوردة.