حوار سان كلو اللبناني- اللبناني ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير بكل تأكيد، فعشية العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006 الماضي، كانت طاولة للحوار الوطني بين الفرقاء اللبنانيين كافة معقودة على قدم وساق وعلى أعلى المستويات السياسية وتحديدا الصف الأول منها، لكن الآلة العسكرية الإسرائيلية شاءت، لأسباب شتى، وضع حد لذلك المسعى الوطني الذي كان أقرب ما يكون إلى التوصل إلى صيغة ربما كانت قادرة على إنهاء حالة الشلل والتخبط السياسي والمؤسساتي التي يعيشها لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية فيه.

على الرغم من أن طاولة الحوار هذه انعقدت في إحدى أشهر الضواحي الباريسية يوم الرابع عشر من يوليو، الذي يصادف ذكرى اندلاع الثورة الفرنسية العريقة التي لا يزال بريق شعاراتها في الحرية والمساواة يأسر القلوب والعقول حول العالم، الأمر الذي يعد إشارة إيجابية أو فأل خير على الأطراف اللبنانية والطرف الفرنسي صاحب المبادرة، إلا أنه هناك شبه إجماع بين المراقبين كافة وعلى مختلف مشاربهم حول انخفاض سقف التوقعات المرجوة من هذا الحوار الإيجابي بحد ذاته، سقف لن يتجاوز بأي حال من الأحوال تحريك الحوار الوطني اللبناني في الداخل مع بقاء الأزمة السياسية والمؤسساتية اللبنانية دون حل إلى اجل غير مسمى.

لكن وعلى الرغم من عدم اتضاح الرؤية بعد، وبقاء الصورة قاتمة كما هي إلا أن الخطوة الفرنسية بحد ذاتها والاستجابة اللبنانية والقبول العربي والدولي لها يصب في خانة المسار الصحي والصحيح لأي محاولة تسعى إلى حل الأزمة اللبنانية الخانقة والمزمنة، خاصة وأن هذه المبادرة انطلقت من رحم العهد الفرنسي الجديد بقيادة الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يبدو أنه يحمل في جعبته جديدا للمنطقة والعالم.

الأمر الذي تكشف من خلال مبادرة أخرى ذات طابع استراتيجي عميق أطلقها أثناء الزيارة الاستثنائية التي قام بها للجزائر مؤخرا وحملت عنوان المشروع «الأورومتوسطي»، مما يعكس توجهات فرنسية تؤكد استمرار السير على درب الأسلاف في الحرص على الحفاظ على مسافة معينة عن مجمل توجهات الولايات المتحدة في العالم.

ففي الوقت الذي تطلق القيادة الفرنسية الجديدة مبادرة حوارية من هذا النوع لا يمكن أن توصف إلا بالإيجابية، طالما أن الأمر يتعلق بالحوار، يبادر الرئيس الأميركي جورج بوش إلى ربط مسألة الخروج من مأزق الحرب في العراق بايجاد حل للأزمة القائمة في لبنان، الأمر الذي يؤشر إلى أن هناك مشروعا أميركا واحدا لا انفصام في عراه في المنطقة العربية.

كما يمكن القول إن المبادرة الفرنسية وتوجيه الدعوة رسميا إلى حزب الله وحضور الأخير إلى طاولة الحوار الباريسية، بعد التعديل الذي طرأ على الموقف الفرنسي من «إرهابية» الحزب، الذي حطم مقاتلوه أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي أعتقد أنه لا تلين له عزيمة ولا تطوى له إرادة، جاءت لتنحي جانبا إلى حد ما تلك المحاولات اللبنانية والعربية والدولية الساعية إلى نزع صفة الشرعية عن المقاومة اللبنانية للاحتلال الصهيوني خصوصا والمقاومة العربية للمشروع الصهيوني في المنطقة عموما، والذي يهدف في الحالة اللبنانية، على سبيل المثال لا الحصر، إلى إدخال لبنان في حالة مفتوحة من الفوضى على غرار ما يجري في العراق وفلسطين.

يحدو الكثيرين الأمل بأن تشكل المحطة الفرنسية هذه خطوة باتجاه عودة قاطرة الحوار الوطني اللبناني إلى السكة الوطنية الصحيحة، بعيدا عن الأجندات الإقليمية والدولية المغرضة وقريبا من مصالح الجوار العربي، الذي يبقى لبنان يحتل موقع القلب فيه رغم محاولات أطراف كثيرة محلية وخارجية نزعه من سياقه القومي العربي، الذي يمثل الرئة الخارجية الوحيدة التي يتنفس لبنان منها.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام يتعلق بمدى قيام الحكومة الفرنسية بما يكفي من الاتصالات والمشاورات الإقليمية والدولية عشية حوار سان كلو وذلك لايجاد البيئة المناسبة والحاضنة الدافئة التي يمكن أن تبشر بمولود وطني جديد في لبنان.

لغة الحوار مبعث على التفاؤل دائما، ذلك أن الإنسان نفسه يستمد صفته الأساسية منها، لكن هذه الحقيقة يجب ألا تحجب الرؤية عن الواقع السياسي الذي يقوم عليه لبنان والذي يشير إلى أن الأزمة اللبنانية ليست أزمة سياسية ولا مؤسساتية فحسب، بل إنها أزمة نظام سياسي يتعين عليه أولا الشروع في محاولة جدية للخروج من قمقم الطائفية الذي وجد اللبنانيون أنفسهم فيه دون إرادة منهم.

bassil@albayan.ae