توصيات بيكر - هاملتون، التي شاركت في إعدادها لجنة مؤلفة من عشر شخصيات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وضعها الرئيس الأميركي بوش على الرف، باعتبارها مجرد توصيات غير ملزمة، فما الذي عاد بها إلى الواجهة مجدداً بعد أن تم الاحتفاظ بها في الأدراج لبضعة أشهر؟

ولماذا يريد الرئيس الأميركي تفعيلها مجدداً حين وعد وبرّر بأن الفوضى الخلاقة والشاملة، مهما كلّف الأمر ستقود في نهاية المطاف إلى الاستقرار والى احراز النصر؟

الطاقم السياسي الذي رافق الرئيس بوش، والذي سبق غزو أفغانستان واحتلال العراق، ووضع ايران وكوريا ضمن محور الشر واتهام سوريا بالضلوع بالإرهاب الدولي وبخاصة رعاية الإرهاب الفلسطيني، غادر معظمهم مواقعهم بعد الخيبات والانكسارات التي تعرّضوا لها، لدرجة أن السيناتور الجمهوري ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، ريشارد لوغر أعلن أن صبر الجمهوريين حيال خطة بوش لزيادة القوات الأميركية في العراق بدأ ينفد.

ومن داخل حزب بوش الجمهوري أيّد السيناتور جورج فوينكونيستش والسيناتور جورج وارنر الرئيس السابق للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ كلام لوغر، الذي كان قد أشاد بتقرير لجنة بيكر- هاملتون حول العراق، التي تدعو إلى إشراك الدول المجاورة وبضمنها سوريا وإيران بالحل، وهو ما كان مبعث تحفظ الإدارة الأميركية رغم فتح ملف المفاوضات الأميركية-الإيرانية في العراق وبشأنه.

لعل الفشل في إدارة الأزمة وفداحة الخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت بواشنطن في العراق، إضافة إلى أن النموذج الديمقراطي الذي وعدت به الادارة الأميركية بلدان وشعوب المنطقة تبدد على مرأى ومسمع من الجميع، لدرجة أن الارهاب الدولي وهو الذي تكرسّت طاقات وجهود كبيرة لاجتثاثه وتجفيف منابعه كما قيل، أصبح ظاهرة خطيرة ليس في العراق أو أفغانستان وحدهما فحسب، بل عمّ دولاً كثيرة في المنطقة وخارجها بما فيها أوروبا التي أصبحت مرتعاً له.

هذه المعطيات وغيرها جعلت الولايات المتحدة تتقبل وجود شركاء آخرين وان كانوا (أعدقاء) بتعديل أو تكييف استراتيجيتها بشأن الملف العراقي من مبدأ تصدير الديمقراطية إلى علاج المشكلة العراقية موضعياً ولكن هل ارسال المزيد من الجنود الاميركان (21500 جندي) سيحل المشكلة أم هو هروب إلى الأمام ومعالجة الأخطاء بالأخطاء؟ وحتى مطالبة الدول العربية الاقليمية بدعم الحكومة العراقية لم يسهم في حلحلة الوضع الداخلي في العراق، خصوصاً وان أولويات واشنطن ليست هي أولويات بغداد، كما أنها ليست أولويات الدول العربية والاقليمية.

لقد وضع الرئيس الاميركي ثلاث أولويات لحكومة نوري المالكي (يونيو الماضي) ودعاه إلى تنفيذها على الفور، والاّ فإن صبر الولايات المتحدة سوف ينفد وهو بلا أدنى شك ليس بلا حدود! وكانت أولويات بوش هي:

تطويق موجة العنف الطائفي وحل الميليشيات أي ضبط الأمن وتشريع قانون النفط، فكيف يتم القضاء على العنف المذهبي والاثني والمحاصصات التي جاء بها الحاكم المدني الاميركي بول بريمر لصيغة مجلس الحكم الانتقالي ما زالت قائمة، والميليشيات وتسليح جماعات جديدة باسم العشائر بحجة مواجهة تنظيمات القاعدة الارهابية سياسة ستقود إلى المزيد من العنف والتشظي.

اما النفط فهو جوهر الصراع السياسي والإجتماعي في المنطقة وليس في العراق فحسب فضلاً عن أنه الهدف الاساسي وراء احتلال العراق، سواءً كان معلناً أو غير معلن، خصوصاً بانهيار ذريعتي وجود أسلحة دمار شامل وعلاقة بغداد بالارهاب الدولي.

ولذلك فهو الاولوية الحقيقية للرئيس بوش الذي يصرّ على إمرار قانون النفط بما يوّفره من ضمانات مستقبلية للاحتكارات النفطية وللشركات الاميركية تصل إلى 34 عاماً بحيث يعفيها من أية احتمالات بتغييرات سياسية للنظام الحالي ولعل هذه الفترة موازية لفترة ما بعد التأميم 1972 وحتى الاحتلال.

كان الهدف الحقيقي من احتلال العراق إذن هو وضع اليد على النفط لآجال طويلة، إضافة إلى استكمال قيام الامبراطورية الاميركية من خلال بناء المزيد من القواعد العسكرية على المستوى العالمي، خصوصاً وان عددها الحالي يشارف على ألف قاعدة عسكرية.

ورغم الورطة التي وقعت بها واشنطن لدرجة إنخفاض شعبية الرئيس بوش إلى 23% بشأن سياسته العراقية و26% بخصوص سياسته العامة، وهي النسبة نفسها التي استدعت الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون إلى تقديم استقالته في العام 1974، إلا أن الإدارة الاميركية الحالية لاتزال تراوح مكانها في العراق، وتصرّ على البقاء حتى النصر سواء بخفض تكتيكي للقوات كما يدعو البعض أو عبر بناء أربع قواعد أساسية خارج المدن في العراق، كما يدعو البعض الآخر.

لكن السياسة العراقية للولايات المتحدة منذ الاحتلال سعت إلى تقسيمات نمطية عبر صورة كونتها للمجتمع العراقي أو عملت على تكريسها بإثارة وتعميق أزمة الهوية من خلال هويات جزئية، طائفية، مذهبية أثنية، عشائرية، مناطقية على حساب الهوية الموّحدة، التي شكلت صورة العراق أو نموذج الدولة العراقية المعاصرة رغم خصوصية المكوّنات المتنوعة والمختلفة والحساسيات الموجودة.

ان التمترس الطائفي والاحتقان والتطهير والعنف عمّق إلى حدود كبيرة عناصر العداء وزاد من عوامل الكراهية وعاظم من أسباب الانقسام في المجتمع، ووسّع على نحو مريع ظاهرة الاستئصال والإلغاء، التي تعمقت من خلال قوانين وقرارات للحاكم المدني الاميركي وما أعقبه، خصوصاً باستفحال ظاهرة الميليشيات وانتشار الفساد والرشوة وتفشي الارهاب والفلتان الأمني وتعمّق الطائفية السياسية والمجتمعية، تلك التي قادت أربعة ملايين عراقي وثلاثمئة الف إلى الهجرة، وبخاصة بعد أحداث سامراء وتفجير مرقدي الامامين علي الهادي والحسن العسكري (فبراير-2006).

ويشكل جمهور المهاجرين واللاجئين، ومعظمهم من الطبقة الوسطى من العلماء والاكاديميين والأطباء والاعلاميين والمثقفين عموماً، مشكلة حقيقية للعراق بتفريغه من العقول والأدمغة والكفاءات، ناهيكم عن مشكلة لدول الجوار، التي ليس بمقدورها ضمن هذا التدفق الانساني والكتل البشرية المتواصلة تقديم المستلزمات الضرورية لهم، فضلاً عن قصور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن تأمين الحد الادنى الضروري للاجئين والمهاجرين، وتقاعس الحكومة العراقية ونكوص القوات المتعددة الجنسيات (القوات المحتلة) بحكم اتفاقيات جنيف لعام 1949 وقواعد القانون الدولي الانساني عن تقديم الحماية اللازمة لهم.

هل عودة واشنطن إلى توصيات بيكر- هاملتون تعني ظهور إمكانات جديدة للحل في العراق خارج إطار العمل العسكري، من أهمها: إشراك دول الجوار وإعطاء دور محوري للأمم المتحدة، خصوصاً اذا أعلنت الادارة الاميركية عن نيتها الانسحاب ووضع جدول زمني لإنهاء الاحتلال!

كاتب ومفكر عراقي