بالأمس القريب، كان يزأر كالأسد من فوق منبر الجامع الأحمر، ويتحدى شرعية الدولة، ويعلن الجهاد ضد الحكومة الباكستانية، ويتوعد بإطلاق عشرة آلاف انتحاري من الطلاب والطالبات في المدارس القرآنية الملحقة بالجامع وعندما بدأت المواجهات العسكرية وحوصر، حاول الفرار متخفياً في نقاب امرأة، تاركاً طلابه وأخاه لمصيرهم المحتوم.

إنه مولانا عبدالعزيز الذي نجح في تحويل الجامع الأحمر إلى مركز للتطرف وقلعة حصينة تخرج منها حملات الأمر بالمعروف وترك المنكر للإغارة على محلات الموسيقى والفيديو وخطف النساء بحجة أنهن منحرفات يريد تتويبهن!! لقد أصبح زعيماً تحت إمرته عشرة آلاف طالب وطالبة، دربهم على السلاح استعداداً للجهاد ضد الحكومة العلمانية التي لا تطبق الشريعة حسب مفهومه الضيق. وكان قد صرح للصحف بأنه يحب طالبان وأصدر فتاوى ضد وزيرة السياحة وضد الجيش الباكستاني وأقام محكمة للشريعة ودارا للإفتاء خارج إطار سلطة الدولة.

فماذا كانت النتيجة؟! كانت مأساوية، نجا مولانا عبدالعزيز بهروبه وكان طلابه المتحصنون وأخوه، رفضوا الاستسلام وفضلوا الموت، فكان الاقتحام وكانت الحصيلة المئات من القتلى والجرحى على مدار حصار الأيام الثمانية.

القضية الآن ليست محصورة في تطرف طلاب المسجد الأحمر وطالبات مدرسة حفصة، القضية أكبر وأعظم، فهناك المئات من الألوف من المدارس الدينية على امتداد الساحة الإسلامية والعربية التي تلقن طلابها تعليماً دينيا متطرفا ـ على سبيل المثال بنغلاديش وحدها توجد بها 64 ألف مدرسة دينية تعمل وفقاً للتوجهات المتطرفة ـ والأسئلة المطروحة على خلفية هذا الحدث المأساوي عديدة:

لماذا تحولت بعض المساجد إلى مراكز للتطرف؟ لماذا أصبحت بعض المدارس الدينية مدارس لتخريج الانتحاريين والانتحاريات؟ لماذا أصبحت (الحلقة الباكستانية) وراء كل مخطط إرهابي إما في التمويل أو التجنيد أو التخطيط؟ ما هي الدروس المستفادة من هذه المأساة؟

بالنسبة للسؤالين الأولين، يلاحظ المراقبون والمحللون أن العديد من المساجد والمدارس، سواء في الساحة الإسلامية أو العربية أو حتى في أوروبا واستراليا، تحولت على يد جماعات ورموز الإسلام السياسي وجماعات التطرف ومشايخ التحريض إلى مراكز لتصدير الفكر المتشدد والمعادي للمجتمع والدولة والحضارة. لقد تم انتهاك قدسية المساجد، وهي منابر للهداية والإرشاد، بفعل التسييس الديني فأصبحت بيوت الله ميادين للدعاية الحزبية والترويج لطروحات أيديولوجية متشددة.

وأصبحت المظاهرات تخرج من المساجد وتحول دور العبادة إلى ساحات للمهاترات السياسية والصراعات الأيديولوجية. وأتصور أن المسؤولية الرئيسية تقع على الدولة التي سمحت وتساهلت وتحالفت بل ودعمت تلك الجماعات الظلامية من أجل كسب سياسي زائف، بحجة أنهم يسيطرون على الشارع السياسي.

وبالنسبة للسؤال الثالث: كيف تحولت الجماعات الدينية إلى تحد لشرعية السلطة؟ وما أهدافها؟ أولاً: تلك الجماعات لا تعترف بشرعية السلطة القائمة لأنها لا تطبق الشريعة حسب مفهومها. وثانياً: المناهج الدينية لتلك المدارس، ماضوية، ذات محتوى تعصبي، وبعيدة عن علوم العصر ومعارفه الإنسانية، وتلقن طلابها مفاهيم مغلوطة عن (الجهاد) (الأمر بالمعروف) (الولاء والبراء) (الحاكمية).

وتختار من الآراء الفقهية أشدها تخلفاً ضد المرأة والأقليات الدينية، ولا تدعم روح الانتماء والولاء في نفسية الطالب للوطن، بل معاداة وكراهية الدولة باعتبارها (علمانية) تنفذ إملاءات الكفار ـ الغرب وأميركا ـ ضد المسلمين، ومن ثم يسهل إقناع طلابها بالجهاد ضد الدولة لدرجة الانتحار.

أما بالنسبة للسؤال الرابع فالمعروف أن المدارس الدينية في باكستان تخرج منها معظم المتطرفين الذين أصبحوا قادة للجماعات الدينية، بدءاً بطالبان ومروراً بالجماعات الدينية المحتشدة في الساحة الباكستانية وانتهاء بالانتحاريين الذين نفذوا عملياتهم في لندن، وأخيراً وليس آخراً طلاب وطالبات المسجد الأحمر.

أما أهداف تلك الجماعات الدينية على اختلاف تسمياتها وتعدد قادتها فهي استعادة الخلافة الإسلامية، وتطبيق الشريعة وفق نموذج (طالبان). ولذلك كان (مشرّف) محقاً في دعوته الشعب لمواجهة الفكر الظلامي. الآن ما هي الدروس المستفادة؟ في تصوري أن هناك الكثير من الدروس المستفادة من مأساة المسجد الأحمر، منها:

1ـ إن سياسات التحالف مع الجماعات الدينية، فاشلة، وكل الحكومات التي هادنت أو تغاضت عن سلوكيات تلك الجماعات وسيطرتها على المؤسسات المجتمعية، لأهداف سياسية، تسببت في كوارث لشعوبها واهتزت مصداقيتها لدى المجتمع الدولي، وكانت العاقبة أن انقلبت تلك الجماعات على الشرعية، والأمثلة عديدة.

كما أن جهود لجان الوساطة والمصالحة وسياسات العفو كلها باءت بالفشل، لأن العنف جزء أساسي وأصيل في عقيدة وثقافة تلك الجماعات. ولعلنا نتذكر قصة الراعي الذي ربى جرو ذئب وأرضعه من شاته، فلما شب وبرزت أنيابه هجم عليها وأكلها، فقال قصيدته المشهورة:

بقرت شويهتي وفجعت قلبي

وأنت لشاتنا ولد ربيب

إذا كان الطباع طباع سوء

فلا أدب يفيد ولا أديب

2ـ إن التعليم الديني المنغلق هو المسؤول الأول عن تفاقم ظاهرة العنف التي تسود العالم والمنطقة وهو المفرّخ الأساسي للانتحاريين الجدد. ولذلك فإن تفكيك بنية الخطاب الديني وضبط منابره وتطوير التعليم الديني ومحاسبة مشايخ التحريض، خطوات أولية ضرورية لتحصين الوطن وحماية المجتمع وتدعيم الشرعية والتصالح مع العالم، وينبغي إدراج ـ خطر التطرف ـ في المناهج وإقرار تشريعات تجرم فتاوى مشايخ التحريض.

3ـ إن التعصب الديني الذي يكرسه التعليم المنغلق، لهو العدو الأخطر على المسلمين يهدد بتمزيق المجتمعات الإسلامية إلى دويلات دينية ظلامية كما ينذر بتدمير شرعية الدول العربية المعاصرة.

4ـ إن التجارب المعاصرة لسلوكيات تلك الجماعات للوصول الى السلطة، تثبت عدم إيمانها بالأسلوب الديمقراطي، كما تثبت أنها لو وصلت بالديمقراطية فإنها لن تترك السلطة أبداً ومهما كان الثمن لأنها تعتبرها منحة إلهية مطلقة.

كاتب قطري