من بين عشرات المواطنين الذين اتصلت بهم الصحافة البحرينية للتعليق على ما كتبه حسين شريعتمداري في صحيفة كيهان الإيرانية حول تبعية البحرين والجزر الإماراتية الثلاث لإيران و«توق» شعب البحرين للارتباط بإيران، كان ردي في جمل لا تتعدى أصابع اليد. اقتضبت القول إدراكا مني للأمر من جانبيه المتضادين: أن هذا كلام سفيه ومرفوض بحرينيا وخليجيا، كما يرفضه القانون الدولي، ولذلك فلا بد من موقف. وثانيا، أن هناك قوى سياسية ومنظمات دينية طائفية وجمعيات وشخصيات دينية ومدنية تقتات على هذا الموقف.

موقف الرفض الذي أعلنه البحرينيون رسميا وشعبيا ليس جديدا بالمرة. وقبل حصول البحرين على استقلالها بعام واحد تقاطر البحرينيون في مارس - ابريل 1970 من كافة المدن والقرى والطوائف والمهن والمراكز الاجتماعية على مقر إقامة الدبلوماسي الإيطالي ونسبير غويشاردي، مبعوث الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول رغبة شعب البحرين في مستقبل تطوره. أكدوا أن شعب البحرين يريد التخلص من نير الاستعمار البريطاني، متمسك بعروبته يرفض التبعية لإيران، وعازم على تطوره المستقل بعيدا عن أية وصاية. وقد جاء تقرير غيشاردي بهذا المعنى.

وهكذا حصلت البحرين في 14 أغسطس 1971 على استقلالها السياسي واكتسبت العضوية رقم 119 في هيئة الأمم المتحدة، كما أصبحت عضوا في الجامعة العربية بصفتها دولة عربية مستقلة. وقد أقرت بذلك إيران كسائر المجتمع الدولي.

ولئن جاءت مواقف كل القوى والمؤسسات البحرينية مشروعة تماما في رفضها وغضبها مما كتبه شريعتمداري، إلا أنها عكست في نفس الوقت الحالة الرجراجة التي تمر بها هذه التشكيلات السياسية والاجتماعية من فترة ما بعد الانتخابات البرلمانية والبلدية 2006. ولئن أخذنا بالمثل القائل «رب ضارة نافعة»، فلعل في تبعات مضرة شريعتمداري ما ينفع لتحليل هذه الحالة.

المتطرفون على ضفتي نهر الطائفية والذين (اشتغلوا) بعضهم البعض بشكل مبرمج قبل وبعد الانتخابات، تصرفوا بشكلين مختلفين إزاء ما قاله شريعتمداري. فالذين اعتادوا النزول إلى الشارع بشكل شبه يومي لم يحركوا ساكنا إزاء الحدث وكأن شيئا لم يحدث، لكن الحقيقة أيضا هي أن أحدا منهم لم يقل شيئا لصالح شريعتمداري.

أما أولئك الذين وصلوا وأوصلوا الناس معهم إلى مأزق بسبب مسلكهم السياسي والاجتماعي، خصوصا بعد أن مرروا استقطاع الـ 1% من دخل العاملين لصالح التأمين ضد التعطل دون إعطاء الأولوية لرفع الأجور المتدنية أصلا، فقد فضل هؤلاء مواصلة الهجوم على العلمانية وكأنها هي التي تدك المقدسات الدينية أو تقتل على الهوية الطائفية كما يحدث في عدد من البلدان حيث يتقابل متطرفو الطائفتين. لكن الحقيقة أيضا هي أنهم استنكروا على شريعتمداري تصريحاته.

متطرفو الطرف الآخر ذهبوا بمخيلتهم إلى أن هناك من «طربوا» لتصريحات شريعتمداري داعين إلى استتابتهم في مهلة ثلاثة أيام، وإلا حل عليهم القتل. المتعصبون للفكرة القومية وجدوا الالتفاف حول شعار «البحرين عربية.. إيران صفوية» أسهل بكثير من التصدي لتحديات الوضع الداخلي من حيث قضايا الأجور والاستحواذ النهم وتدمير البيئة، وكذلك من حيث المناخ السياسي، بما في ذلك ما أفرزته دروس نتائج الانتخابات البرلمانية والبلدية 2006 من ضرورة نهوض التيار الوطني الديمقراطي بوجهه المستقل. فالمطروح أن هذه التنظيمات القومية أقرب إلى أن تكون من مكونات هذا التيار.

وحتى بعض العلمانيين الذين يعتقدون بأن توجيه ضربات قاضية تطيح بالدولة الإسلامية في إيران يعني إزاحة عقبة كأداء أمام تطور التاريخ في هذه المنطقة من العالم، فإنهم في كل يوم يحاولون استعجال هذه الضربة التي لن تكون إلا على يد الولايات المتحدة الأميركية وفق استراتيجية نشر «الفوضى الخلاقة» في المنطقة. هؤلاء أيضا رأوا في تصريحات شريعتمداري فرصة أخرى سانحة للتأجيج. لكن الحقيقة أن ضرب العراق لم يخدم وجهة التاريخ كما نرى الآن، بل العكس. إن ضرب إيران قد يؤدي إلى إعادة المنطقة برمتها عقودا من السنوات إلى الوراء.

كم علمنا التاريخ أن اغتيالا تعرض له أحد ما أو تصريحا تفوه به أحد ما استغل لتحويل مجرى التاريخ، وغالبا في اتجاهه العكسي؟ لا نعرف من بالضبط حرك شريعتمداري ليكتب ما كتب، لكننا نعرف أن في إيران، كما في الولايات المتحدة مراكز قوى يحتدم بينها الجدل حول العلاقات بين البلدين والاستراتيجية في المنطقة. ونعرف أيضا أن بوش في بلاده ونجاد في بلاده يواجهان نفس المأزق.

فنهج بوش المتطرف حصد هزيمة نكراء لحزبه في انتخابات الكونغرس الأخيرة في مجلسي الشيوخ والنواب، ما يعد تدهورا في شعبية المحافظين وينبئ بخسارتهم في الانتخابات الرئاسية القادمة. ونهج نجاد المتطرف حصد ذات الهزيمة في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما يعد مؤشرا جديا على تدهور شعبية المحافظين الإيرانيين وانعكاسات ذلك على الانتخابات الرئاسية القادمة.

هنا وهناك، كما في كل العالم المتطرفون على عادتهم يهربون إلى الأمام دائما. فذلك يؤدي بالبلاد إلى أوضاع استثنائية تعطيهم صلاحيات استثنائية يعيدون من خلالها ترتيب أوضاعهم بشكل أفضل. وهؤلاء عادة تهمهم مصالحهم الأنانية أكثر من مصائر شعوبهم والعالم.

الديمقراطيون القادمون إلى الرئاسة في أميركا ينظرون إلى إيران بشكل أكثر إيجابية. في مذكراتها قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت: «منذ بدء عملي مع الرئيس كلينتون كنت مهتمة بإمكانية بناء علاقات أفضل مع إيران. إن الوضع الاستراتيجي والتأثير الثقافي وكذلك الحجم جعلت من هذا البلد مفتاحا أساسيا في أحد أكثر مناطق العالم قابلية للانفجار».

من حسن الحظ أن وزارتي الخارجية في كل من البحرين وإيران لم تأخذا بالانفعالات الطارئة وتعاطتا مع المسألة بروح من المسؤولية العالية في إطار الوضع المنذر بالأخطار الجسام في المنطقة. فقد سارعت السفارة الإيرانية في البحرين إلى استهجان تصريح شريعتمداري وسارع وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي لزيارة البحرين مساء الجمعة الماضي. وبهذا المعنى نفهم إشارة وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة إلى أن هناك من يختلق الفتن ليدفع بالعلاقات بين إيران ودول المنطقة إلى ما يخدم انفجار الوضع لغير صالح شعوبها.

ويأتي ذلك تأكيدا لما قاله رئيس وزراء البحرين الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة لصحيفة «الشرق الأوسط» انه لا يعطي أهمية لتصريحات شريعتمداري، وأن البحرين تنظر إلى أبعد منها. بحكم الجغرافيا الأزلية نحن وإيران جاران لم يختر أحدنا الآخر. لكن هذا الجار بحكم تاريخه الحضاري وحجمه الجغرافي والاقتصادي وموقعه الموصل بين وسط آسيا وآسيا الصغرى وقزوين والخليج وبحر العرب والمحيط الهندي يمكن أن يلعب دورا عظيم الشأن في مستقبل المنطقة. وسيكون دوره أعظم شأنا عندما يتخلى عن أية أطماع توسعية تجاه جيرانه.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com