وسط التصريحات المتناقضة عن ضرورات السلام، والإشارات المتباينة عن مناورات الحرب على جانبي أطراف الصراع العربي الإسرائيلي على الجبهة السورية في الجولان والفلسطينية في غزة وجبهة جنوب لبنان، لم يتحقق السلام، ولا يبدو أن الحرب ستتوقف طالما استمرت أوهام القوة العسكرية العدوانية تغري المعتدين المحتلين باستمرار تجاهل حقوق الإنسان العربي والتنكر لمبادئ الحرية والديمقراطية، ومواصلة إرهاب الاحتلال الصهيوني في فلسطين دون قرار شجاع بالسلام، وعدوان الاحتلال الأميركي في العراق دون قرار شجاع بالانسحاب.
على الجانب الصهيوني الأميركي تبدو إشارات الحرب التي تطغى على أحاديث السلام لإرهاب العرب والمسلمين محاولة يائسة وفاشلة لفرض الاستسلام وقبول الأمر الواقع برغم الثمن الباهظ للصمود، بالقوة العسكرية وبالعزل السياسي وبالحصار الاقتصادي وبالتشويه الإعلامي والاتهامات بالإرهاب، بينما على الجانب العربي والإسلامي فإن مبادرات السلام الرسمية مع تصاعد إرادة وقوة المقاومة الشعبية تعني أننا لسنا طلاب حرب من أجل الحرب، ولكننا جنود حرب حين تفرض علينا، سعيا منا لتحقيق العدالة والحرية و السلام.
ومع ذلك ورغم التنازلات العربية من أجل السلام بما بدا لأصحاب المشاريع الإمبراطورية الاستعمارية دليلا على الضعف والوهن والقابلية للاستسلام، يتناسوا أن الشعوب دائما لا تستسلم حتى وإن استسلم حكامها، ولا تتوقف عن المقاومة حتى وإن توقفت جيوشها عن الحرب، إلا بنيل حقوقها المشروعة، فإن الرد دائما كان مزيدا من الغطرسة ومزيدا من العدوان ومزيدا من التلويح بالقوة، بدلا من الإصغاء إلى العقل والمنطق والقبول باستحقاقات السلام.
ورغم دروس التاريخ العديدة التي أثبتت أن الاستعمار كان مشروعا فاشلا بدليل نجاح مقاومة الشعوب في تحقيق الاستقلال في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية، ورغم العبر الماضية والحاضرة بأن العداء للشعوب هو أيضا مقامرة فاشلة، ما زالت أوهام القوة وأحلام السيطرة الاستعمارية الجديدة تغري الأميركان والصهاينة وحلفاءهم وأدواتهم بالسير في الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ التي تسير باتجاه عصر المقاومة وعصر الحرية وعصر انتصار إرادة الشعوب.
لأن الشعوب أثبتت في كل التجارب أنها غير قابلة للاستسلام مهما كان من جبروت القوة ومن كل أسلحة البطش وأدوات القهر، وقادرة على مواصلة النضال أجيالا وراء أجيال مهما طال زمن العدوان والاحتلال، ولأن إرادة الحق والعدل والحرية تجعل الشعوب أقوى من محتليها وأقوى من جلاديها وأقوى من أوهام القوة وأحلام السيطرة.
والدليل هو المأزق الضيق والحصار الخانق الذي أغرقت الإدارة الأميركية نفسها فيه، بعد فشل القوة العسكرية الإمبراطورية الجبارة في العراق أمام ضربات المقاومة الشعبية العراقية وعزلتها أمام ضغوط الرأي العام الأميركي ونواب الحزبين الجمهوري والديمقراطي ومطالباتهم بالانسحاب بعدما أصبح يطاردها شبح الهزيمة.
وبدليل فشل المشروع السياسي الأميركي الصهيوني للشرق الأوسط، وفشل عزل وحصار سوريا أو عزل وحصار المقاومة الشعبية العربية، وفشل أوهام القوة العدوانية الصهيونية بالفرار من غزة والهروب من جنوب لبنان ومواجهة الهزيمة أمام المقاومين من حزب الله في عدوان تموز.
وبدليل اتساع مساحة وقوة المقاومة ضد الاحتلال وإرهاب العدوان، حتى باتت إسرائيل هي المحاصرة بقواعد المقاومة من غزة في الشمال إلى لبنان في الجنوب، مع إشارات سورية وإسرائيلية عن اشتعال جبهة الجولان إذا لم تسارع إسرائيل وأميركا إلى الكف عن المكابرة ومحاولات التهديد بمزيد من الحروب ضد سوريا أو إيران، هروبا إلى الأمام، إذ لم يعد أمامها سوى الإصغاء إلى العقل والتسليم باستحقاقات السلام.. السلام وليس الاستسلام.