الآن ونحن في منتصف عام 2007، يتبين أن الاقتصاد الأميركي يعاني من وعكتين متوسطتين. أما الأولى فتتمثل في درجة طفيفة من التضخم المصحوب بركود. والثانية هي إدراك مواطني الولايات المتحدة أن قيادة أميركا للعالم اقتصاديا بدأت في التآكل.
الأمر إلى حد ما يشبه وضع امرأة جميلة تكتشف في عيد ميلادها الأربعين ظهور أول تجاعيد على خدها. بل ويحدث الأسوأ من ذلك لها: ففيما تزداد حفلة عيد الميلاد بهجةً، فإن التعب والقلق من النهوض مبكرة في اليوم التالي لركوب المواصلات للذهاب إلى المكتب يجعلاها ترغب في مغادرة الحفل مبكرة للعودة إلى منزلها.
أولا دعونا نراجع ماذا يقول الخبراء في تعريف مصطلح «التضخم المصحوب بركود». فقد تصدر هذا المصطلح عناوين الصحف في فترة السبعينات عندما قررت منظمة أوبك بشكل مفاجئ وبين عشية وضحاها رفع سعر النفط ومنتجات الطاقة الأخرى بمعدل أربعة أضعاف.
وأضيفت إلى هذه الصدمة في حجم المعروض من النفط سلسلة متواصلة من التراجع في حجم الإنتاج الزراعي في مختلف بلدان العالم أدت بدورها إلى ارتفاع مستويات التضخم وتكاليف المعيشة في كل أرجاء المعمورة.
ذلك الارتفاع في الأسعار لم يكن مثل التضخم البسيط الحالي الذي تعاني منه أميركا. لقد كان التضخم ومعدلات الفائدة وقتها يتكونان من رقمين. ولم يكن أمرا مفاجئا وقتها أن واجه الرئيسان نيكسون وفورد سلسلة متواصلة من الركود في الوقت نفسه الذي كانت فيه البطالة منتشرة وكان إجمالي معدلات الإنتاج الأميركية في تراجع مستمر.
حسنا، ما هي إذن فائدة علم الاقتصاد المتقدم إذا لم ينجح بشكل سريع في التعامل مع رياح التضخم والركود؟ فكما علم ألان جرينسبان وأرثر بيرنز منذ ثلث قرن مضى، فإن سياسة الاقتصاد الكلي يمكن من خلالها وقف التضخم ومن خلالها يمكن أيضاً تحفيز الإنفاق عن طريق خفض معدلات الفائدة وعن طريق ضخ أموال في توقيت سليم من أجل علاج العجز المالي.
و لكن كل ما يجري فعله من أجل علاج الركود المصاحب للتضخم سيؤثر سلبا على التضخم المصاحب للركود والعكس صحيح. هل هذا كان عيبا في مدرسة العالم الاقتصادي جون ماينارد كينز التي كانت سائدة في الفترة من 1933 إلى 1968 إبان حكم الرؤساء الأميركيين فرانكلين روزفلت وجون كينيدي وليندون جونسون؟ بالطبع لا.
فلم تكن الآراء المحافظة المعاكسة لمدرسة كينز ـ تلك الآراء التي كان يتبناها العالم المالي ميلتون فريدمان أو العالم فريدريك حايك ـ وقتها وحتى الآن قادرة على إنهاء التضخم المصاحب بركود.
لماذا السخرية من تاريخ الاقتصاد القديم؟ اليوم أو غدا سيتحتم على محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بين برنانكي وعلى محافظ البنك المركزي البريطاني مرفين كينج، وهما من الخبراء الاقتصاديين اللذين لا يشق لهما غبار، التعامل مع متناقضات التضخم المصحوب بركود.
لحسن الحظ فإن التضخم المصحوب بركود الموجود الآن لا يزال بسيطا للغاية. القلق يساور برنانكي من حقيقة أن معدل التضخم الآن الذي يقف عند 5,2% سنويا لا يزال أكثر من الحد المقبول وهو 2% سنويا.
لقد بدأ الخبراء المزيفون في وول ستريت يفيقون على الحقيقة الآن فحسب. فبشكل أحمق قام هؤلاء برفع أسعار الأسهم عندما تم الإعلان عن أخبار (سعيدة) مفادها أن هناك تراجعا في السوق العقاري وسوق السيارات.
فقد تصوروا أن مثل هذا الأمر سيدفع الاحتياطي الفيدرالي قريبا إلى خفض نسب الفائدة. وبشكل متزايد الآن بدأ الجميع يدرك أن البنوك المركزية هنا وفي دول العالم الأخرى جادة للغاية في تصميمها على الحد من التضخم.
و الآن وفيما تراجعت حالة النشوة التكهنية العالمية حول ما حدث، هناك سؤالان مطروحان على الساحة:
1- هل سينجح الاقتصاد الأميركي في تفادي ركود اقتصادي في عام 2008؟
2- هل الصورة العامة في أوروبا وآسيا لا تزال معتمدة على القوة المستمدة من القاطرة الأميركية، وهو الأمر السائد منذ الحرب العالمية الثانية؟
إجابة السؤال الثاني أسهل من إجابة السؤال الأول.
جميع الاحتمالات تشير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي والاقتصادات الآسيوية ستحقق نتائج اقتصادية أفضل في 2007-2008 بالمقارنة بما ستحققه أميركا. ومن الآن فصاعدا فإن الصين والهند ستشاركان الولايات المتحدة الأهمية التقليدية التي كانت تحظى بها.
يبدو أن الرئيس السابق الحاذق للاحتياطي الفيدرالي ألان جرينسبان يعتقد الآن أن الضعف في قطاع الإسكان الأميركي وفي معدل نمو الإنتاج يمكن أن يؤدي، بنسبة 33%، إلى ركود بسيط في 2008.
وفي حال حدوث هذا فإن مرجعه قد يكون زيادة مستقبلية في معدلات الفائدة الأميركية وكنتيجة لذلك يمكن للمرء أن يتوقع هبوطا في الأسعار في أميركا وكذلك في أسعار البورصة الأجنبية. لقد آن الأوان للبنوك والمؤسسات المالية أن تتخلص من الإفراط غير العقلاني في التفاؤل.
من الطبيعي والصواب أن يجري التركيز بشكل أكبر على الأخطار والفرص المتاحة على المدى القصير. ولكن هذا لا يبرر تجاهل الاتجاهات الموجودة على المدى البعيد. وفيما يتعلق بعمل الأسواق المالية فإن هناك مئات من صناديق التحوط غير المنظمة يجري تكوينها كل عام. وبالتوازي مع هذا الاتجاه هناك نمو في الاكتتابات الأولوية في أسهم الأفراد وفي الإستحواذات.
وفي قلب هذا العهد الجديد هناك بداية متفجرة لما يعرف باسم المشتقات والتبادلات المالية. في وقت من الأوقات لم يكن هناك سوى أكاديميون قلائل مثلي قاموا ببحوث في مثل تلك التخصصات، ولكن الآن فإنه يجري في شهر يونيو من كل عام تعيين خريجي كليات إدارات الأعمال بمسمى وظيفي «مهندس مالي».
وبفضل عبقرية هؤلاء الموظفين المدربين بشكل حديث فإن الشركات تستطيع تحقيق درجات عالية من الثقل والقوة. ولكن مع القوة الكبيرة تأتي المخاطرة غير العادية. في الأوقات الجيدة، يبدو كل شيء عظيما، ولكن في الأوقات العصيبة يجب أن تسود اقتصادات الفوضى والتهور.
أضف ما سبق إلى العجوزات المالية المتواصلة في الولايات المتحدة. فحتى الآن يجري تمويل العجوزات المالية الأميركية بشكل كاف عن طريق أموال الدول الأخرى التي تمتلك فوائض مالية ضخمة.
هناك علامات كثيرة تدل على أن الصين والاقتصادات الأخرى التي تنمو بشكل أقرب إلى المعجزة أصبحت أكثر ميلا إلى تحريك بعض من احتياطاتها الأجنبية بعيدا عن الأصول الدولارية. من المستحيل بأي شكل من الأشكال حدوث تحول هائل غير منضبط عن الدولار في المستقبل القريب. والحد من تأثيرات هذا الأمر لمنع حدوث ذعر مالي عالمي أو تخفيفه سيشكل تحدياً للجيل الجديد من علماء الاقتصاد.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»