يبدو الشرق الأوسط اليوم وكأنه طائرة من دون طيار، اختلف ركابها وتصارعوا، تعادوا وتوعدوا بعضهم البعض الآخر بحيث صار مصير الرحلة مرتبطا مع ضغط الوقت ومخاطر حوادث غير متوقعة بالطبع بسلوكية هؤلاء الركاب. الشرق الأوسط اليوم يقف أمام سيناريوهات ثلاثة محتملة: الانفجار والاستقرار والاستمرار.

سمات عديدة تطبع المشهد الشرق أوسطي: من هذه السمات تكريس الشروخ المجتمعية الخطرة والعابرة للدولة، شروخ الجغرافيا المذهبية والإثنية، جغرافيا الهويات الأصلية التي تساهم في خلخلة وإضعاف دول ضعيفة أساسا ولو أن سلطاتها قوية وبالأخص في وظائفها الأمنية في كثير من الحالات،

يقابل ضعف الدول صعود أدوار المنظمات والحركات المختلفة التي صارت أكثر قدرة على الفعل والتأثير تمتلك شرعيات مختلفة وتستفيد من فراغ دور الدولة وتراجعه وتتحالف أو تتقاطع مصالحها مع دول مما يعطيها مزيدا من الحماية والقدرات والإمكانات.

يتسم الشرق الأوسط أيضا بوجود خطوط تماس تقوم حول مواجهة استراتيجية ولو أن هذه الخطوط مثل العراق ولبنان وكذلك غزة وجنوب لبنان الذي يتقاطع ويتميز في الوقت ذاته في خطوط المواجهة الاستراتيجية حولها، عن لبنان البلد. خطوط تماس تقع وبالتالي تختفي بعض الشيء، ضمن صراعات قائمة لها مسبباتها ودينامياتها المستقلة عن المواجهات الاستراتيجية ولكنها تتغذى على هذه الأخيرة وتغذيها في الوقت ذاته.

تأزمات حاصلة ليس فقط عند أطراف عربية رئيسية، بل عند الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، تأزمات تتعلق بالخيارات وترتيبها وبالعلاقة بين الإمكانات والأهداف وسعة الفجوة بينهما، تأزمات تساهم في تغذية التوتر ورفع منسوبه وزيادة اضطراب المشهد وهشاشة الوضع بشكل عام.

اصطفافات عربية وعربية إقليمية تخفف من حدتها تقاطعات ومصالح تجمع بين بعض من الأطراف المتقابلة وصراع استراتيجي أميركي إيراني عنوانه نووي ولكنه منتشر عبر ملفات ساخنة عديدة وعبر مسألة الدور والمكانة. تسخين وتهدئة، تبريد وتصعيد، تحريك واحتواء، هذه هي سلة الثنائيات في السلوكيات القائمة في المنطقة التي تشكل المشهد «السريالي» أمام السيناريوهات الثلاثة المحتملة.

سيناريو الانفجار: وقد يحصل ذلك إذا ما ازدادت سخونة الموقف في إحدى بؤر التأزم وحصل في ذلك المناخ حادث صغير يأخذ منحى تصعيدياً متسارعاً لا يمكن ضبطه بواسطة الردع السياسي أو غيره، وتاريخ الحروب الكبيرة مليء وغني بالأمثلة على ما يعرف بالحادث الشرارة. قد تكون حرب تحريك لتحسين موقع وتحصينه كما في مرحلة ما قبل المفاوضات إذا ما أتت لاحقا بغية الإمساك بأكبر عدد ممكن من الأوراق.

وقد يأتي الانفجار عبر قرار أميركي ما زال مستبعدا في ظل الغرق المتزايد في المستنقع العراقي، بالمواجهة مع إيران كوسيلة لتسوية الملف النووي. مواجهة قد يراد لها أن تكون محدودة ولكن ذلك لا يمكن ضبطه مسبقا ويتعلق أيضا برد فعل الطرف الآخر.

وقد تبدأ بحرب إسرائيلية عربية على الجبهتين السورية اللبنانية أو إحداهما ثم لا يمكن ضبطها. إنه الحريق الكبير إذ يكفي الاشتعال في إحدى غرف المنزل ليطال المنزل بأكمله بسبب الترابط والتداخل ضمن المنزل الشرق أوسطي. وسيؤدي الزلزال إلى ارتدادات عنيفة من صراعات ونزاعات بأشكال وصيغ مختلفة.

لكن هذا السيناريو يبقى أيضا مستبعدا لأنه يحمل مخاطر على الجميع ومنهم القادرون على المبادرة إليه ولا يضمن توفير الحد الأدنى من المطلوب من النتائج لركوب هذه المخاطر. فهنالك تفاوت كبير بين احتمالات الربح والخسارة إذا أدخلنا عنصر المخاطر المرتفع جدا فيه.

سيناريو الاستقرار وهو النقيض للسيناريو الأول وقوامه الوصول إلى حالة التعب وتغير النظرة عند أطراف الصراع كل تجاه الآخر وتجاه طبيعة الصراع وأهدافه وبالتالي التحول نحو تعريف جديد للتسوية أكثر تواضعا وبالتالي للمقاربة المطلوبة للتسوية سواء في آلياتها أو أطرافها أو أهدافها.

لا يعني التوصل إلى اتفاقات أنها ستكون صفقات على حساب البعض الأضعف بالضرورة كما دلت على ذلك تجارب الماضي لأن هنالك معطيات عديدة وأساسية تغيرت في المنطقة والعالم، ولأن هنالك دروسا حول هشاشة نتائج صفقات من هذا النوع ليس من المنطلق الأخلاقي بالضرورة وهو غائب عن السياسة ولكن من المنطلق المصلحي والواقعي.

سيناريو الاستقرار قد يكون مدخله أميركيا، فواشنطن هي الطرف الأساسي باعتبار أنها الأقوى والممسكة بخيوط المبادرات، قد يكون مدخله العودة إلى تقرير بيكر - هاملتون كمنطلق في أسسه وفي منطقه أيضا للتعامل التسووي مع قضايا المنطقة ليس على أساس المقايضة من جيب الآخر بل على أساس توفير المكسب الأصيل وهو الشرعي لكل طرف وليس المكسب البديل من جيب طرف آخر كما جرت العادة سابقا.

سيناريو قد يبقى من الصعب جدا تحقيقه في السنة الأخيرة لإدارة الرئيس بوش رغم تخبط هذه الإدارة وارتباكها في الشرق الأوسط، ولكنه قد يكون السيناريو الممكن والوجيه مع الإدارة اللاحقة. الأمر الذي يتطلب بالطبع مراجعة الطرف الآخر في الصراع لمقاربته وسلوكياته في المسائل الإقليمية.

سيناريو الاستمرار وهو السيناريو الأكثر احتمالا وواقعية في اللحظة الراهنة باعتبار أن للجميع مصلحة في التوصل إلى تفاهمات تضع ضوابط على حصول الانفجار الكبير الذي يطيح بمصالح الجميع ولو في أوقات مختلفة ولكنها مؤكدة.

وقد حصل بعض النجاح لحينه عبر توافقات وتفاهمات مباشرة وغير مباشرة في منع الانفجار الكبير.

وطالما أنه من المبكر موضوعيا الوصول إلى الاستقرار الشامل ولأن هنالك استحقاقات ضاغطة سواء كانت لبنانية أم عراقية أم فلسطينية مترابطة تستدعي الانخراط في التعامل معها ولا يمكن تأجيلها دون تعجيل انفجارها، يبقى خيار التسويات الانتقالية

أو المرحلية وهي تسويات هشة دون شك ولو اختلفت هشاشتها بين حالة وأخرى، وتقوم على التعايش الناجح مع مصادر التوتر، هي الأكثر احتمالا ضمن لعبة عض الأصابع في ربع الساعة الأخير قبل منتصف الليل. إنه سيناريو الاستمرار أو الانتظار الذي يحمي الشرق الأوسط من مخاطر الانفجار.

كاتب لبنان