نتوقف اليوم أعزاءنا القراء عند إحدى رسائلكم، بعثتها قارئة تشكو من أوضاع مادية واجتماعية يواجهها زوجها المتقاعد. وقد استوقفتنا رسالتها لأسباب نذكرها في نهاية هذا المقال.

تقول القارئة العزيزة: (أنا وزوجي مواطنان من دولة الإمارات. في سنة 2002 حصلنا على منحة من برنامج الشيخ زايد للإسكان ولا تتصورين كم كانت فرحتنا بهذه المنحة لأننا سنتخلص من معاناة الإيجار. أكملنا مخطط المنزل على عجالة وأخذنا قرض استصناع من أحد البنوك الإسلامية في الدولة لنكمل قيمة البناء. تقاعد زوجي من القوات المسلحة برتبة جندي أول وعمره 28 سنة في عام 2003 بعد إصابته بمرض السكري الذي لم يجعله قادراً على أداء مهامه العسكرية. كان راتب زوجي وقتها ثمانية آلاف ومئتي درهم، في حين يبلغ راتبي أحد عشر ألف درهم بحكم أنني موظفة جامعية في إحدى الوزارات.

اقتطع من راتب زوجي القسط الأول بقيمة أربعة آلاف ومئة درهم وكانت الأمور تسير على ما يرام، وبعد تقاعد زوجي أصبح راتبه أربعة آلاف وثمانمئة درهم، وهنا بدأت المعاناة. فغلاء المعيشة أهلكنا كما اهلك الجميع، بالإضافة إلى ذلك اننا لا نملك دخلاً غير رواتبنا التي لا تكفي لإعالة أربعة أطفال وأقساط بناء وسيارة وأمور كثيرة لا يتسع المجال لذكرها).

وتكمل القارئة قصة معاناتها ومعاناة زوجها الذي بحث عن وظيفة يساعد بها نفسه وأسرته: (سعى زوجي لإيجاد وظيفة. وبعد رحلة بحث دامت ستة أشهر وجد وظيفة لدى شركة مقاولات يملكها وافد وبراتب قدره ألف وخمسمئة درهم كمندوب علاقات عامة، فضل العمل بهذا الراتب على البقاء في المنزل دون عمل. وبعد عام من عمله في الشركة انتقل للعمل في شركه يملكها مواطن براتب قدره ثلاثة آلاف درهم في السنة الأولى ثم أصبح الراتب أربعة آلاف حتى وصل في السنة الثالثة إلى خمسة آلاف وخمسمئة درهم بعد كفاءته وأمانته في العمل.

هذا ظاهر الأمر الحسن لكن باطنه كان سيئاً، فالحقيقة أن زوجي لم يعمل كمندوب فقط بل عمل «خادماً» عند صاحب الشركة. يقوم بالمهام الآتية: تسفير خدم المنزل، تصليح المكيفات في المنزل وشراء غيرها، توصيل أصدقاء رب العمل، فحص سيارات العائلة عند الوكالة، القيام ببعض أعمال صيانة منزل رب العمل ودفع فواتيره وفواتير أفراد عائلته وما إلى ذلك من أعمال لم تعد ذات صلة بوظيفة مندوب في شركة.

صبر زوجي على هذه الحال ثلاث سنوات وتحمل ما يكدر خاطره من كلام من أجلي ومن أجل أبنائه الذين لا تتسع الدنيا لفرحتهم عندما يدخل عليهم بهدية. وأخيراً استقال حفظاً لكرامته بعد ما وصل الأمر للخصم وللاهانة أمام الناس.. فالكل أصبح يعرف وضعه وكثر الهمز واللمز حتى في أوساط عائلتنا بشكل لم نعد نحتمله).

وتقول القارئة: (إن المواطن حريص على رزقه ورزق أسرته، ويبذل كل جهده ليحمي مستقبل أبنائه دون أن يكون اتكالياً وإن كان ذلك براتب قليل وفي وظيفة لا تناسب مستواه الاجتماعي، لكن الحاجة مهما بلغت لا يمكن أن تجبر الواحد منا على الإهانة خاصة من ابن بلده).

انتهت رسالة القارئة، ونقول إن هناك مواطنين بالفعل قد يستغلون حاجة المواطنين للوظيفة فيبخسونهم حقوقهم، ويقللون من شأنهم. فأين يذهب هذا المتقاعد وغيره من المتقاعدين الذين يشعرون بأن إخوانهم الميسورين لم يعد بإمكانهم مد يد المساعدة لهم دون ان ينتزعوا شيئاً من كرامتهم؟ وكيف يواجهون غلاء المعيشة الذي لم تعد تتحمله رواتبهم، وأين هي الوظائف التي تستفيد من خبراتهم في ظل غياب الوظائف لخريجين عاطلين غيرهم؟ تساؤلات كثيرة نتمنى لو نجد لها إجابات في مبادرات تعيد لأبناء الوطن اعتبارهم وتحسن أوضاعهم.

maysaghadeer@yahoo.com