في الذكرى الأولى لحرب يوليو البشعة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان الصيف الماضي تحت ذريعة قيام حزب الله بأسر جنديين إسرائيليين من داخل الأراضي الإسرائيلية، في هذه الذكرى هناك ملمحان رئيسيان يميزان الواقع العربي، فيما يخص أجواء الحرب، الأول تعدد الإشارات وكثرة التسريبات السياسية وحتى العسكرية حول احتمالات ضربة عسكرية أخرى تتحضر لها المنطقة خلال هذا الصيف، وهنا تختلف التحليلات حول الهدف الذي سيتلقى الضربة، لكنه حتماً لن يكون بعيداً عن «ثالوث الشر»، حسب الرؤية الأميركية: محور سوريا ـ إيران ـ حزب الله.
أما الملمح الثاني فهو غياب العرب نهائياً عن المشهد، بمعنى أن السؤال مطروح عن العرب في المنطقة العربية، لكنه غير مطروح على العرب، ولهذا يأتي السؤال هكذا: هل ستشهد إسرائيل حرباً تكميلية هذا الصيف على لبنان باعتبارها لم تحقق أهداف عدوانها الصيف الماضي؟ أم أنها ستكتفي بضربة ما على سوريا بناء على تعليمات الولايات المتحدة، لعرقلة المشروع الإيراني ـ السوري في العراق ولبنان؟ أم أن الولايات المتحدة ستتكفل هذه المرة بتوجيه الضربة الأقسى على إيران بسبب الملف النووي والمشروع الإيراني الأخطر في العراق؟ وطبعاً فإن الاحتمالات كلها مفتوحة على كل هذه السماوات الثلاث.. ولهذا فإن هذا الصيف الذي مضى نصفه في تجاذبات ساخنة جداً وخطيرة جداً، لابد أن ينتهي مأساوياً على أكبر التقديرات!
نعود للعرب الذين أخرجوا أنفسهم من اللعبة والمعادلة تماماً وفوضوا الولايات المتحدة وإسرائيل بالمهمة كاملة، وكأن ضرب إيران أو سوريا أو لبنان يشكل مكسباً أو انتصاراً لهم، هؤلاء ـ من الأنظمة العربية ـ لا يملكون للأسف أي مشروع من أي نوع ومن أي مستوى يجعلهم مؤهلين للإجابة عن أي سؤال من نوع ماذا سيحدث لو أن حرباً على إيران أو سوريا شنت بالفعل؟ إنهم يفضلون تمضية الوقت الصعب على طريقة تمريره بالتجزئة، وكل جزء يمضي يخفف من عبء المسؤولية عليهم، كما يعتقدون، أملاً أو اتكاءً على معطيات دولية خارجية ستريحهم من عبء الاستعداد ووضع الاستراتيجيات.
إنهم يؤملون ويراهنون أولاً على تقارب إسرائيلي سوري يخفف حدة اللهجة المتبادلة ويبرر سخونة الجبهة القابلة للاشتعال، ويؤملون ثانياً في حل توافقي في لبنان ينهي الأزمة العالقة منذ نهاية حرب الصيف الماضي، بانتخابات رئاسية توافقية بنسبة الثلثين وبتشكيل حكومة وحدة وطنية يوافق عليها كل الفرقاء اللبنانيين، ويؤملون ثالثاً في انتهاء فترة حكم الرئيس الأميركي بوش ورحيل المحافظين الجدد أصحاب نظرية الفوضى الخلاقة والصدمة والرعب و... إنهم يؤملون في رحيل بوش والجمهوريين ومجيء رئيس آخر من الديمقراطيين الذين ربما يخففون هذا الاحتقان المتنامي باتجاه الانفجار الكوني في الشرق الأوسط.
فهل تراهن هذه الأنظمة العربية على الحصان الرابح أم انها تضع رهاناتها في المكن الخطأ؟! وهل يفيد في لعبة السياسة الدولية، في منطقة كالشرق الأوسط بكل هذه الخطورة والتعقيد والحساسية، أن تراهن أنظمة المنطقة على غير معطياتها وقدراتها واستراتيجياتها؟ سيمر هذا الصيف من دون حرب، هذا ما اعتقده، فكلما زاد عدد الناقلات الحربية الأميركية وصارت في مرمى الصواريخ الإيرانية، دلًّ ذلك على أن هذه الاستعراضات ما هي إلا وسائل مناورة وتحسين شروط التفاوض وزيادة الضغط لا أكثر، وكلما زادت نبرة عروض السلام الإسرائيلية لسوريا كان ذلك دليلاً على أن غزل السياسة بين الأعداء أشد عمقاً في خفائه من علنه، وكلما تورطت أميركا في العراق أكثر كان هذا مدعاة إلى لجم جماح رعونة سياستها في الشرق الأوسط.. وإن غداً لناظره قريب!
