التساؤل المطروح منذ رحيل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عن السلطة الشهر الماضي، هو: هل تتحرر السياسة البريطانية من «أسر» الولايات المتحدة؟

استطلاعات الرأي العام البريطاني المتلاحقة منذ استقالة بلير الصديق الحميم للرئيس الاميركي جورج بوش والنصير الأول لسياسة الولايات المتحدة بل وساعدها الأيمن في الحرب على العراق،تؤكد كلها أن هناك رغبة شعبية في التحررمن «معتقل» السياسة الاميركية الذي أسر بلير نفسه فيه.

بل هذه الرغبة تبدو من تصريحات بعض أعضاء الحكومة الجديدة التي يرأسها غوردن براون، وكأنها قد تصبح قريبا «رغبة رسمية» على مستوى الدولة. فقد ألمح وزير التنمية الدولية البريطاني دوغلاس الكسندر أمس، إلى أن بلاده ستغير موقفها حيال العراق وتنأى بنفسها عن الرئيس الأميركي جورج بوش في ظل رئيس وزرائها الجديد براون.

ونسبت شبكة سكاي نيوز البريطانية إلى الكسندر الذي وصفته بأنه أحد أبرز الوزراء المقربين من براون، قوله أمام جمهور أميركي بواشنطن «إن قوة أي دولة يجب أن لا تُقاس بعد اليوم استناداً إلى قدراتها العسكرية المدمرة». وفي انتقاد مبطن للنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة، اضاف الوزير البريطاني إن قوة أي دولة في القرن العشرين كانت تقاس بقدراتها التدميرية، لكن هذه القوة في القرن الحادي والعشرين يجب أن تُقاس بما يمكن أن نبنيه معاً».

ويبدو أن براون خليفة بلير راض عن مثل هذه التصريحات التي تؤكد وسائل الاعلام البريطانية على أنها بداية تغير في السياسة البريطانية التي ترتمي في أحضان الولايات المتحدة. فقد ذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أمس، أن براون نفسه، وعد الأمم المتحدة بأن بلاده ستعمل على ضمان حل متعدد الأطراف في حال واجه العالم أزمة جديدة مشابهة لحرب العراق.

صحيح أن براون لم يعلن حتى الآن أي تغير في سياسة حكومته حول العراق، إلا أن منطقه قائم الآن على ما يصحح صورة بريطانيا أمام شعبه الغير راض على الحرب في العراق. ويفضل الآن أن يتحدث عن التزامات بلاده حيال الشعب العراقي وحكومته، مع أن الكثير من نواب حزب العمال يأملون أن يكون زعيمهم (براون) قادراً على تسريع عملية سحب القوات البريطانية من العراق.

اليوم ستصدر لجنة العراق المستقلة والمشكلة من جميع الأحزاب البريطانية، تقريراً عن استراتيجية براون الجديدة حول العراق، يحدد من خلالها الملامح العريضة لدور بريطانيا على المدى الطويل في العراق ولعمليات إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية والاقتصاد العراقي وعلاقات بريطانيا الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط وإمكانية اضطلاع الأمم المتحدة بدور أكبر في العراق.

وفي حين هناك توقعات بأن يعلن براون في وقت قريب انسحابا للقوات البريطانية من العراق، توجد تكهنات أيضا بان الانسحاب ربما يتسارع والبحث عن خروج مشرف من ذلك البلد العربي الذي يئن على مدى أكثر من أربع سنوات من وطأة احتلال أتى معه بانفلات وفوضى أمنية حرما أبناء الشعب من نعمة الأمن والاستقرار.

إن ما سنشهده على الساحة البريطانية قريبا- حسب كل توقعات المراقبين في لندن- هو تغير تدريجي في السياسة البريطانية، بحيث لاتقوم على التبعية التي دفعت منتقدي بلير في الماضي إلى وصفه بأنه «الكلب المخلص» لبوش. الساسة البريطانيون يمهدون الطريق أمام براون للتغيير. والهدف ألا تكون بلادهم أسيرة السياسة الاميركية، بل لها رؤيتها المستقلة وفي الوقت نفسه الحفاظ على العلاقات المتميزة مع واشنطن. وتلك هي المعادلة الصعبة التي يسعى براون إلى تحقيقها في هدوء حتى لاتهب عواصف في سماء العلاقات بين «داوننغ ستريت» و«البيت الأبيض».