عام مضى على العدوان.. وأحد عشر شهراً على النصر، فما الذي نتذكر، وماذا حدث في ثلاثة وثلاثين يوماً؟ من صنع الانتصار المزدوج، ومن دافع عن الهزيمة وتضرر منها؟

التاريخ وحده سيجيب عن كل الأسئلة التي طرحت وتطرح وستطرح، والتاريخ وحده سيسجل الحقيقة كما هي وسيفرز الناس ويوزعهم في قوائم، فهؤلاء الذين صمدوا وتصدوا بشجاعة دفاعاً عن الوطن، وأولئك الذين غدروا وطعنوا المقاومة في الظهر قبل وخلال وبعد العدوان، وتحالفوا مع أعداء الوطن وتجار الموت والدمار والحروب، و.. هناك ما بين هؤلاء وأولئك! ‏

لكن صفحات التاريخ لم تفتح بعد.. وربما سيمر وقت طويل قبل أن نقرأ الحقائق كما هي دون «رُتوش» أو تحريف أو تزوير، ألسنا في زمن التزوير والزيف والأكاذيب؟ ‏

وحتى ذلك الحين يحق لنا المجاهرة بمشاعر الفخر والعزة والكرامة ونحن نتذكر بطولات رجال زرعوا في الأرض وسجلوا بدمائهم الزكية وبصبرهم وجهادهم أنصع صورة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، فقهروا جيشاً­ قيل لنا إنه لا يُقهر­ للمرة الثانية في غضون ستة أعوام. ‏

لكن النصر العسكري هذا على أهميته البالغة، ليس إلاّ الشق الميداني المباشر من النصر الكبير، أما الشق الثاني الذي قد يفوقه أهمية، فهو الشق السياسي والمتمثل في تراجع المشروع الأميركي الخطير المعدّ في كواليس إدارة الرئيس جورج بوش والمحافظين الجدد، والمعروف باسم مشروع «الشرق الأوسط الجديد». ‏

ليست هذه استنتاجاتنا وتحليلاتنا، بل هي اعترافات صريحة من قبل المهزومين أنفسهم. ‏ فالحكومة الإسرائيلية اعترفت بالفشل علناً، وتساقطت أوراقها بالإقالات أو بالاستقالات، في حين لا يزال سيف لجنة فينوغراد مسلطاً على «كل طويل عمر» في هذه الحكومة، وكل من يكابر ويرفض سماع الشارع الإسرائيلي. ‏

أما إدارة بوش، فلم تعدْ قادرة على التبجح والقول: إن ما جرى في تموز من العام الماضي كان «المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد»، وهو ما كررته الآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية خلال العدوان عدة مرات، وحتى من العاصمة اللبنانية المدمّرة بيروت. ‏

الهزيمة العسكرية كانت لإسرائيل وجيشها، والهزيمة السياسية كانت للإدارة الأميركية التي لها نصيب من الهزيمة العسكرية باعتبارها هي من منع مجلس الأمن من إصدار قرار بوقف إطلاق النار، وهي التي أقامت جسراً جوياً عبر بريطانيا­ بلير لنقل الأسلحة الذكية والغبية والمحرّمة دولياً، لظنها أن إسرائيل قادرة على أن تكون القابلة القانونية لتوليد الشرق الأوسط الجديد من رحم الدمار والموت والدم في لبنان. ‏

وبما أن الهزيمة كانت مزدوجة، فالنصر كان مزدوجاً ويسجل بأحرف من نور ونار ودم في سِفر التاريخ، وسيظل مفخرة للعرب أجمعين. ‏ لكن هناك من نصّب نفسه محامياً للشيطان ورافضاً الاعتراف بنصر المقاومة وهزيمة العدوان والمشروع الأميركي­ الصهيوني. ‏

أكثر من ذلك: هذا الفريق الذي هاله نصر المقاومة المؤزر وراهن على نصر إسرائيلي سهل يُجهز على المقاومة وحزب الله، بل على نهج الممانعة والصمود في المنطقة العربية، هذا الفريق لم يكتف بذلك بل طعن المقاومة في الظهر وتنكّر للرجال الأبطال وهم في ساحة المعركة، وحمّل حزب الله كامل المسؤولية عن الهزيمة المنكرة التي ستلحق بلبنان، وعندما جاء «نصر الله والفتح» لم يعترف أصحاب «ثقافة الهزيمة» به، بل اعتبروه كارثة حلت بلبنان، و«ضاع الموسم السياحي»! ‏

يا لهذا السُخف! يتحدثون عن موسم سياحي ضائع، ويغمضون عيونهم عن نصر مزدوج تحقق على أكبر قوة عسكرية في المنطقة، وعلى مشروع تقف وراءه أكبر وأقوى دولة في عصرنا. ‏

المهزلة أن تصبح الهزيمة والارتماء في حضن الأجنبي والعدو ثقافة ووجهة نظر ورأياً يدافعون عنه بأسطول من الإعلام والمرتزقة، وبدعم «دولي» مدفوع الأجر سلفاً وموجه بفعل سياسة أميركية قامت على الكذب وتستمر بالتضليل. ‏

ليس مستغرباً على من يستقوي بالعدو والمستعمر على وطنه، أن يستدعي الأعداء لضرب سورية، واعتبارها عدواً، ولا أن يحوّل الهزيمة إلى ثقافة والعمالة إلى وجهة نظر، هذا الفريق سنتركه للتاريخ كي يقول كلمته به.. أما الشعب فقد قال كلمته منذ زمن وقضي الأمر. ‏