صوت الكونغرس الأميركي للمرة الثالثة على مشروع قانون يهدف إلى سحب القوات الأميركية من العراق في موعد محدد وفي هذه المرة الموعد هو بداية نيسان 2008. ولكن من المتوقع أن تكون هذه هي حالة أخرى من كذبة نيسان حيث سيقوم الرئيس جورج بوش مدفوعا بالمحافظين الجدد باستخدام حق النقض لتجاوز هذا القرار.
نشر الديمقراطية في العراق كان الحجة الرئيسية التي استخدمتها الإدارة الأميركية لشن حرب مدمرة وتحطيم مقومات الدولة العراقية والوصول إلى هذه الحالة من الفوضى والفلتان الأمني ، ولكن الديمقراطية تعني في النهاية احترام إرادة الشعب أو ممثلي الشعب واتخاذ القرارات التي تتناسب مع هذه الإرادة ، مما يعني ضرورة نشر الديمقراطية في الولايات المتحدة أولا.
في الولايات المتحدة يريد الشعب الأميركي من رئيسه سحب القوات الأميركية من العراق ، وفي كل استطلاعات الرأي وفي كل القرارات التي اتخذها الكونغرس الجديد الطلب واضح تماما بضرورة التراجع عن الخطأ وسحب القوات الأميركية في وقت محدد.
الرئيس بوش لا يرى أن الديمقراطية هي الاستماع إلى مطالب الأغلبية بل الاستمرار في القرارات والتوجهات التي يقتنع بها شخصيا ، وهو يؤكد في تعليقه الأخير على قرار الكونغرس بأنه يفضل اتخاذ القرارات الصعبة على أن يكون محبوبا.
ولكن الحب والسمعة العطرة ليسا هما القضية بل استمرار الانغماس الأميركي في ارتكاب المزيد من الأخطاء القاتلة في العراق والرفض المدهش للإدارة الأميركية لاتخاذ القرار الصحيح في الانعطاف عند المكان المناسب والعودة إلى الدرب الصحيح.
لقد وفرت لجنة بيكر - هاملتون ، والمظاهرات الشعبية ، وقرارات الكونغرس واستطلاعات الرأي كل تقارير التقييم العسكري كل ما تحتاجه الإدارة الأميركية للعودة عن هذا المسار الخاطئ والاحتفاط ببعض ماء الوجه داخل الولايات المتحدة ولكنها أصرت على الاستمرار في الخطأ مما يعطي انطباعا بأن الإدارة الأميركية لا تهتم حقيقة بالمصالح الأميركية العامة بقدر ما تنفذ مخططا يهتم بخدمة أغراض ومصالح لوبي النفط والدفاع والمحافظين الجدد وإسرائيل ، ومن الضروري أن يتنبه الأميركيون لهذه الحقائق.
تحاول الإدارة الأميركية استخدام حجة إعلامية مفادها أن سحب القوات من العراق يعني دخول الصراع الطائفي في مراحل خطيرة جدا وكأن وجود القوات الأميركية هو الذي يمنع هذه الحرب. الواقع عكس ذلك تماما لأن الانسحاب الأميركي سيعني تحرر العراق والحاجة إلى التعايش التام بين كل الفئات في المجتمع العراقي بعد غياب العامل الأساسي الذي يغذي الانقسام والعنف وهو الاحتلال الأميركي واستقواء بعض الجهات بهذا الاحتلال.
لا تزال الإدارة الأميركية ترفض الاستماع إلى صوت المنطق وحتى قبول توجهات الرأي العام الأميركي وهذه الممارسات تتناقض تماما مع كل معايير الديمقراطية ولن تعني إلا مزيدا من الأخطاء الأميركية في العراق ومزيدا من التوتر وتغذية الإرهاب والطائفية في العالم العربي.
