يعكس الخبر الذي طيرته وكالات الأنباء أمس عن انتحار جندي أميركي علنا وأمام الناس بأحد شوارع بغداد, مدى المأزق الذي انحدرت إليه الإدارة الأميركية في العراق. وإذا كان الرئيس بوش ومساعدوه مازالوا يصرون على أن أميركا تحقق الانتصار هناك, فإن الشواهد على الأرض تؤكد عكس ذلك تماما.
ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن مجلس النواب الأميركي أقر قانونا بضرورة بدء سحب القوات الأميركية من العراق مع حلول أبريل المقبل, كما يمكن الإشارة أيضا إلى استطلاع الرأي الذي أوضح أن45% من الأميركيين يرفضون بقاء قواتهم في هذا المستنقع, بل وطالبوا بمعاقبة المسئولين الذين استدرجوا الجيش الأميركي إلى هذا الوحل.
إن أهم درس يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم الآن استخلاصه من هذه الشواهد جميعها, هو أن غطرسة القوة ليست هي السبيل الأفضل لحل مشكلات العالم.. وإذا كان المحافظون الجدد في واشنطن اعتنقوا هذا التصور بأن القوة الغاشمة هي الطريق لتأكيد قوة أميركا, فإن المعطيات على الأرض فرضت عليهم الآن إعادة ترتيب الأولويات من جديد.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تتحقق مصالح أميركا حقا من خلال تفتيت الدول في الشرق الأوسط إلى شظايا صغيرة ودويلات متصارعة, أم أن الأجدى أن تسعى الإدارة الأميركية إلى إبقاء هذه الدول على استقرارها ووحدتها وقوتها؟
إن التفتيت سيؤدي إلى نتيجتين غاية في الضرر على أميركا, أولاهما تعريض منابع البترول ومصادر الطاقة الأخرى للخطر, والثانية انتشار الإرهاب وإمكان امتداده إلى داخل الأراضي الأميركية والأوروبية نفسها.. ولا شك أن قطاعات عريضة داخل المجتمع الأميركي أصبحت تدرك الآن هذه الحقائق.. لكن هل أدركها السادة القائمون على رسم السياسات في البيت الأبيض؟!
